شفقنا العراق-سلاح الجو العراقي يواجه معضلة السيادة الجوية بعد إعلان واشنطن منحه “الشهادة الكاملة” لتنفيذ ضربات مستقلة. فبينما تصفه القيادة المركزية بالإنجاز التاريخي، يكشف خبراء عسكريون أن السيطرة الفنية ما زالت في يد الولايات المتحدة، وأن العراق لا يملك حرية تشغيل كاملة لطائراته من طراز F-16.
اثار إعلان القيادة المركزية الأمريكية منح القوات العراقية “الشهادة الكاملة” لتنفيذ ضربات جوية مستقلة، تساؤلات واسعة حول واقع القوة الجوية العراقية، وما إذا كانت قادرة فعلاً على تنفيذ المهام المطلوبة منها بشكل منفرد، في ضوء التحديات التقنية واللوجستية التي تواجه سلاح الجو منذ سنوات، وطبيعة التعاون المستمر مع قوات التحالف الدولي.
وقالت القيادة المركزية الأمريكية في بيان لها الأسبوع الماضي، إن القوات الأمنية العراقية “حصلت على الشهادة الكاملة لتنفيذ الضربات الجوية المستقلة”، وذلك بعد ثمانية أسابيع من التدريب المكثف مع قوة المهام المشتركة ضمن عملية “العزم الصلب”، مؤكدة أن القوات العراقية حققت نسبة دقة بلغت 100 بالمئة في الاستهداف باستخدام طائرات F-16 وAC-208، وعدّت ذلك “خطوة تاريخية” نحو اعتماد القوات المسلحة العراقية على نفسها في مواجهة تنظيم داعش.
استقلال عملياتي أم فني؟
وفي هذا السياق، يوضح مصدر عسكري عراقي أن “هذا الإعلان يأتي ضمن مراحل انسحاب القوات الأجنبية المقررة منتصف العام المقبل” مبيناً أن “الطيارين العراقيين حالياً لا يمكنهم تنفيذ المهام بشكل مستقل تماماً إلا بموافقة ومساعدة الجانب الأمريكي، إذ ما تزال الأجواء تدار رادارياً تحت إشرافه، كما أن المظلة الجوية لا تفعل إلا بموافقته”.
ويضيف المصدر، أن “طائرات F-16 التي استوردها العراق في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لا تمتلك تقنيات التوجيه بالليزر الموجودة في نسخ الطائرات لدى تركيا ومصر ودول الجوار، وهو ما يجعل استقلالنا عملياتياً فقط، وليس فنياً”.
كما يبيّن أن “الخطوات الجادة لتطوير تسليح الجيش ما تزال محدودة، وغالباً ما تصطدم بمحددات وشروط تفرضها الولايات المتحدة على صفقات السلاح والتجهيز”، موضحاً أن هذه المسألة تخص طائرات الـF-16 حصراً، فيما تمتلك القوات العراقية قدرة مقبولة على إدارة باقي العمليات العسكرية”.
ثم أشار إلى أن “الفارق التقني بين الطائرات العراقية ونظيراتها في دول الجوار واضح، فـ F-16 التركية قادرة على استهداف نظيرتها العراقية من الفئة نفسها دون الحاجة لعبور الحدود، بفضل تجهيزها بأنظمة ليزرية متطورة، فيما تبقى طائراتنا وكأنها عمياء أمامها”.
محنة الـF16
وتعود قصة طائرات الـF-16 العراقية إلى عام 2008، حين بدأت بغداد مفاوضاتها مع واشنطن لشراء 96 مقاتلة، قبل أن ينخفض العدد إلى 36 فقط، في صفقة بلغت قيمتها نحو 6.5 مليارات دولار، لتكون من أغلى العقود الموقعة لهذا الطراز من الطائرات.
وكانت الولايات المتحدة قد تعهدت بأن تشكل هذه الطائرات “نواة السيادة الجوية العراقية” بعد الانسحاب الأمريكي عام 2011، لكن العقود تضمّنت قيوداً على المدى القتالي وأنظمة التسليح، ما جعل النسخ المرسلة إلى العراق أقل تجهيزاً من مثيلاتها في دول أخرى.
ومنذ دخولها الخدمة، واجهت مقاتلات الـF-16 تحديات تشغيلية وصعوبات في الصيانة، خاصة بعد انسحاب المتعاقدين الأمريكيين من قاعدة بلد الجوية عام 2020 إثر تهديدات أمنية.
وهذا الانسحاب أدى إلى تراجع الجاهزية الفنية، واضطر العراق إلى تفكيك عدد من المقاتلات لاستخدامها كقطع غيار من أجل إبقاء البقية في الخدمة، حسب تقارير فنية، كشفت أيضاً عن أن أقل من 10 طائرات فقط كانت قادرة على التحليق الكامل دون أعطال، وهو ما عرقل قدرة سلاح الجو على تنفيذ طلعات مستمرة ضد أهداف تنظيم داعش خلال تلك الفترة.
سلاح الجو يتحرر.. ما علاقته بإسرائيل؟
بدوره، يوضح الخبير الأمني والعسكري، عبدالغني الغضبان، أن “مأزق سلاح الجو العراقي يكمن في ضوابط وحدود التشغيل الجوي التي تفرضها عوامل جغرافية وسياسية؛ مع تقييد عمليات القصف والتوغل في مناطق محددة اعتبرت ضمن مساحة التواجد الأمريكي”.
ويوضح الغضبان، أن “بعض المناطق بينها محيط قاعدة عين الأسد ووادي حوران، لا يسمح للقوات العراقية الجوية التوغل فيها وضرب أهداف إلا بمشاركة الطيران الأمريكي، كما أن الطائرات نفسها كانت مقيدة بضوابط فنية وتشغيلية منعت استعمال الطيار العراقي لبعض التجهيزات أو القدرات”.
ويضيف أن “التصريحات الأخيرة فتحت كثيراً من الشفرات والرموز المتعلقة بالطائرات المستوردة من الولايات المتحدة، ما أعطى حرية أكبر للطيران العراقي، ورفع بعض القيود التشغيلية عن قدرات سلاح الجو”.
ويربط الخبير الأمني والعسكري، بين احتمال استهداف قواعد عراقية من قبل إسرائيل وبين تراجع الوجود الأمريكي داخل هذه القواعد.
كما يوصلأن “وجود الأمريكيين ضمن القواعد الجوية وفي داخل الجغرافية العراقية عنصر مهم جداً للمحافظة على تلك القواعد، وأن انسحاب المستشارين الأمريكيين أو القوات الأمريكية يعطي ضوءاً أخضر للجانب الإسرائيلي بضرب تلك القواعد كما يشاء”.
ويوصي الغضبان، بضرورة “تعزيز سيادة التحكّم الوطني في المساحات الجوية عبر مراجعة الضوابط التشغيلية للعقود والأنظمة الفنية، وتطوير منظومات الرصد والرادار، إلى جانب التنسيق الإقليمي والدولي لحماية القواعد والمنشآت من مخاطر التصعيد”.
ماذا حدث إذن؟
ولم تتضح حتى الآن طبيعة الدورات التي تلقتها القوات العراقية ضمن برنامج التدريب الأخير، ولا حجم التغيير الذي طرأ على منظومات طائرات F-16 المستخدمة في هذه الاختبارات، سواء من حيث التحديثات الفنية أو تجهيزات التسليح والتوجيه.
كما لم تعرف تفاصيل الاتفاقات التي سبقت منح “الشهادة الكاملة”، وما إذا كانت قد تضمنت نقل تقنيات جديدة أو مجرد تدريب تشغيلي محدود بإشراف خبراء من التحالف الدولي، الأمر الذي يترك تساؤلات مفتوحة حول مدى التطور الفعلي في قدرات سلاح الجو العراقي، وما إذا كان الإعلان الأمريكي يؤشر تحولاً حقيقياً أم أنه يندرج ضمن ترتيبات سياسية وأمنية أوسع بين بغداد وواشنطن.
وأبرم العراق صفقة أسلحة جديدة، مع فرنسا لاستيراد طائرات رافال المقاتلة، بقيمة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار، تتضمن جدولة الدفعات وتحديد مواعيد أولية للتسليم، في خطوة تهدف إلى رفع كفاءة سلاح الجو وتنويع مصادر التسليح بعيداً عن الاعتماد الأحادي.
تداعيات أكبر
وكان موقع مؤسسة جيمس تاون الأمريكية، قد حذر في أيلول سبتمبر 2022، من سعي بغداد للحصول على طائرات رافال، قائلاً: “سيكون له تداعيات أكبر من وجهة نظر فنية، فضلا عن المخاطر الجيوسياسية لتغيير موازين القوى الإقليمية الحساسة بين العراق وخصومه القريبين”.
لافتاً إلى أن “اتفاق بغداد وباريس سيؤدي الى تحول نوعي في سياسة ما يعرف بمكافحة الإرهاب لدى دولة حليفة للولايات المتحدة وهي تركيا، لاسيما في حال تضمين أنظمة أسلحة الطائرات المذكورة بصواريخ ميتيور، بدلا عن ميكا، ما قد يتحول ميزان القوى الإقليمي بسرعة لصالح العراق”.
وبرغم استيراد العراق طائرات T-50IQ الكورية الجنوبية منذ عام 2017 لتكون جزءاً من منظومة التدريب والعمليات الخفيفة في سلاح الجو، إلا أن هذه الطائرات لم تؤد الدور المرسوم لها بشكل كامل، بسبب مشكلات فنية وإدارية تراكمت خلال السنوات الماضية، حسب مراقبين.
وتوقفت برامج الصيانة والدعم الفني أكثر من مرة نتيجة انسحاب الفرق الكورية من قاعدة بلد الجوية لأسباب أمنية، إضافة إلى تأخر توريد قطع الغيار والذخائر المخصصة لها، ما جعل استخدامها يقتصر على التدريب المحدود فقط، فيما يؤكد مختصون أن إعادة تأهيل هذا السرب تتطلب اتفاقاً جديداً مع شركة KAI الكورية، وتسوية المستحقات المالية المتأخرة.
استحقاق مهني
إلى ذلك، يؤكد الخبير الأمني فاضل أبو رغيف أن “التقدير الأمريكي لتطور قدرات القوات العراقية لم يأتِ صدفة، بل جاء نتيجة تراكم طويل من الخبرة والتدريب والعمل الميداني”،
موضحاً أن “القوات بمختلف تشكيلاتها نجحت في تنظيم انتشارها ورفع كفاءتها العملياتية، خصوصاً في صفوف القوات التعبوية وقوات المشاة البرية، ما انعكس إيجاباً على مستوى الاستقرار الأمني في عموم البلاد”.
ويوضح أبو رغيف، أن “العمليات الدقيقة والاستباقية ضد التنظيمات المتطرفة، من بينها داعش والقاعدة وعدد من الفصائل الراديكالية جعلت القوة الجوية العراقية في مصاف القوات المتقدمة”، لافتاً إلى “ضرورة تنويع مصادر التسليح وتوسيع برامج التدريب أسهما في رفع الجهوزية القتالية”.
وكانت بغداد وواشنطن قد توصلتا، في نهاية أيلول سبتمبر 2024، إلى اتفاق يقضي بتحديد موعد رسمي لإنهاء مهمة التحالف الدولي ضد تنظيم “داعش” في العراق بحلول نهاية عام 2026، وذلك بعد جولات حوار مطوّلة بين الجانبين، جاءت على خلفية تصاعد مطالب الفصائل المسلحة والقوى السياسية المقرّبة من طهران بإنهاء الوجود الأجنبي في البلاد، خصوصاً عقب الضربات الأمريكية التي استهدفت مقار تلك الفصائل رداً على هجماتها ضد قواعد التحالف داخل العراق وخارجه في ظل الحرب الإسرائيلية على غزة.
وخلال الأسابيع الأخيرة من آب أغسطس الماضي، بدأت بالفعل عمليات انسحاب محدودة لعدد من الأرتال العسكرية الأمريكية من قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار، في أول تطبيق عملي لخطة الانسحاب التدريجي، حيث شملت الأرتال معدات وآليات ثقيلة، في مؤشر على أن العملية تسير باتجاه مغادرة فعلية لا مجرد إعادة تموضع.

