شفقنا العراق-الفن في المشاريع الصغيرة بات سمة بارزة في العراق، حيث استعان أصحاب العطور والمقاهي والفنادق بلوحات جدارية مستوحاة من التراث المحلي والطبيعة والحياة اليومية، لتكون جزءًا من الهوية البصرية لمنتجاتهم وأماكنهم. هذه المبادرة ساهمت في جذب الزبائن ومنح كل مشروع لمسة فنية مميزة.
تتخذ المشاريع الصغيرة التي تنتشر في العراق في الآونة الأخيرة شكلاً ترويجياً من خلال الفن التشكيلي، ويبدو أن البحث عن الجديد والتميز هو ما دفع كثيرين من أصحاب المشاريع الصغيرة إلى توكيل هذه المهمة إلى رسامين ليضيفوا بصمتهم التخصصية، في محاولة لخلق هوية بصرية.
في خطوة مبتكرة، تحدث صاحب علامة عطور عراقية، عبد الحميد أحمد العلي، عن كيفية إدماج الفن التراثي في منتجاته.
يقول إنه استعان بفنان لرسم لوحات مستوحاة من التراث العراقي والطبيعة والحياة اليومية، لتزين علب العطور والملصقات الخاصة بعلامته: “اللوحات لم تكن مجرد رسم، بل وسيلة لتحكي قصة كل عطر وتربطه بذاكرة المكان والثقافة”،
لافتاً إلى أن “هذه اللوحات جذبت الزبائن وأصبحت جزءاً من هوية العلامة التجارية، حتى تحولت إلى ماركة خاصة تميز منتجاتي من غيرها”.
تجربة ثقافية
يؤكد العلي أن الفن منح العطر شخصية فريدة، مشيراً إلى أن “العملاء لا يشترون الرائحة فحسب، بل تجربة ثقافية كاملة. أعتقد أن التعاون بين الفن والتجارة ليس مجرد تزيين، بل خلق قيمة مضافة، ولا سيما حين تكون هذه التجارة والفن يجسدان رموزاً وطنية وتراثية”.
مشاهد فنية جديدة باتت تزدان بها المقاهي والمطاعم الصغيرة ومحال تجارية مختلفة، إذ تحوّلت الجدران من مساحات صامتة إلى لوحاتٍ ناطقة تروي حكايات المكان وتعبر عن هوية أصحابه.
يؤكد الشاب أحمد هادي، الذي يملك مطعماً شعبياً تقليدياً، أن الرسم على الجدران “لم يعد مجرد زينة، بل أصبح وسيلة إعلانية وجمالية في آنٍ، تجذب الزبائن وتمنح المكان مظهراً فريداً يميزها من غيرها خاصة المحال الصغيرة، مثل مطعمي الذي لا تتجاوز مساحته عشرين متراً مربعاً”.
على أحد جدران مطعمه، تتألق رسمة تمثل بائع أكلة الباجة في زيه البغدادي التراثي التي توحي أنها تمثل حقبة زمنية تعود إلى 100 عام.
يقول هادي : “رغم أن مطعمي متخصص في بيع المشويات، لكن هذه اللوحة تميزه وتجذب انتباه من يرتادونه”.
الفن الجداري
وجد كثير من أصحاب المشاريع في الفن الجداري وسيلة مختلفة للانتشار والتسويق، عبر التعاون مع فنانين شباب يرسمون جداريات كبيرة تعبّر عن روح المكان وتعكس ذوق الزبائن المستهدفين.
مشهد من زقاق بغدادي تراثي قديم تظهر فيه نساء يرتدين العباءات التقليدية، بينما تتقابل جدران البيوت وأسطحها وشرفاتها المغطاة بالخشب البني القاتم المصنوع بحرفة عالية وفن دقيق، المسماة محلياً بالشناشيل لتوحي بجمالية وسحر الدربونة، وهو الزقاق السكني الضيق وكانت تشتهر به مناطق بغداد القديمة.
ذلك المشهد جسدته لوحة في مقهى شبابي حديث، غطت ركناً واسعاً، يقول صاحب المقهى، حيدر نبيل: “أصبح هذا الركن مميزاً وأحب مكان يجلس فيه رواد المقهى، والجميع يطلقون عليه الدربونة”.
لا يوجد نوع محدد ينتهجه الفنانون أو أصحاب المشاريع لرسم هذه اللوحات، فالرغبات تختلف بين لوحات تراثية تحاكي بغداد القديمة، وتارة رسوماً تعبّر عن الثقافة الشعبية، أو رموز من الحياة اليومية، وأخرى تمثل تمازجاً بين الحداثة والتراث، لتصبح كل جدارية قصة ترويها الألوان والفرشاة. يحمل هذا التوجّه بعداً ثقافياً، إذ ساهم في تقريب الفن من الناس وإخراجه من قاعات العرض المغلقة إلى الشوارع والأماكن العامة؛ فأصبح المكان مساحة فنية بامتياز، يتفاعل معها الزوار ويلتقطون الصور أمامها، لتتحوّل بدورها إلى وسيلة دعائية مجانية تنتشر على صفحات التواصل الاجتماعي.
ويقول مصطفى كريم علوان: “الرسم على الجدران منحنا فرصة للخروج من الإطار التقليدي للفن”.
ثم يضيف: “فبدلاً من أن تبقى لوحاتنا حبيسة المعارض، صارت تُعرض أمام أعداد الجمهور في أماكن يقصدها الناس”.
يشير علوان إلى أن كثيرين يبدون إعجابهم بالجداريات ويحرصون على التقاط الصور أمامها عند زيارتهم المقاهي والمطاعم، مؤكداً أن انتشار تلك الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي ساعده على الوصول إلى جمهور أوسع.

