شفقنا العراق-تضع التطورات الأخيرة القدرات الجوية العراقية في مقدمة الجيوش الإقليمية القادرة على مكافحة الإرهاب بفاعلية. فبفضل الدمج بين الخبرة المحلية والتقنيات الأمريكية، بات العراق يمتلك منظومة دفاعية متكاملة توازن بين الاستخبارات والدقة العملياتية.
يشهد العراق في الأوان الأخير تقديراً أمريكياً متزايداً لتطور قدرات قواته المسلحة، سواء في مجالات التدريب أو تنفيذ العمليات الجوية والبرية ضد التنظيمات الإرهابية، وهو ما يظهر انتقال بغداد إلى مرحلة أكثر استقلالية في إدارة ملفها الأمني ومكافحة الإرهاب.
وفي بيان رسمي، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) أن القوات الأمنية العراقية حصلت على “الشهادة الكاملة لتنفيذ الضربات الجوية المستقلة” ضد تنظيم داعش، وذلك بعد ثمانية أسابيع من التدريب المكثف ضمن برامج التعاون العسكري بين بغداد وواشنطن.
وأوضحت القيادة أن القوات العراقية حققت نسبة نجاح بلغت 100% خلال الاختبارات الميدانية باستخدام طائرات F-16 وAC-208، معتبرةً أن هذا الإنجاز يمثل “خطوة تاريخية نحو الاعتماد الذاتي الكامل للقوات المسلحة العراقية في تنفيذ العمليات الجوية ضد التنظيمات الإرهابية”.
قدرات جوية متطورة بعد سنوات من العجز
وحسب نواب في لجنة الأمن والدفاع النيابية، فإن الطائرات العراقية كانت حتى وقت قريب غير قادرة على تنفيذ ضربات جوية دقيقة ضد أهداف داعش بسبب ضعف أنظمة الملاحة والاستهداف وقلة الكوادر المؤهلة في قيادة المهمات القتالية.
لكن، وبعد سلسلة من الدورات المكثفة والدعم الفني الأمريكي، أصبحت القوات الجوية العراقية اليوم قادرة على التخطيط والتنفيذ والإصابة الدقيقة للأهداف دون الحاجة إلى إشراف مباشر من التحالف الدولي، وهو ما اعتبره مراقبون تطوراً جوهرياً في بنية الجيش العراقي بعد سنوات من الاعتماد شبه الكامل على الدعم الخارجي.
وتشير مصادر عسكرية إلى أن التعاون مع واشنطن شمل تزويد العراق بمنظومات متقدمة للتشويش والرصد، وتدريب طواقم فنية على صيانة الأسطول الجوي المحلي، إلى جانب إنشاء قاعدة بيانات استخباراتية مشتركة مكنت العراق من توجيه ضربات استباقية دقيقة ضد أوكار التنظيمات الإرهابية في مناطق نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.
تحول نوعي في الأداء الأمني
ويرى خبراء أمنيون أن الخبرة المتراكمة للقوات العراقية والتعاون الدولي المستمر أسهما بشكل كبير في تعزيز مستوى التنسيق بين القطاعات العسكرية والاستخباراتية، وتحقيق استجابة أسرع للتحديات الأمنية المختلفة، الأمر الذي يضع العراق في موقع متقدم من حيث الاستقرار الأمني الإقليمي.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الأمني فاضل أبو رغيف أن هذا التقدير الأمريكي “لم يأتِ من فراغ”، موضحاً أن “القوات العراقية بمختلف تشكيلاتها الميدانية والاستخباراتية نجحت في رفع مستوى كفاءتها القتالية، وتنظيم انتشار القطعات العسكرية بشكل متسق، لا سيما في القوات التعبوية وقوات المشاة البرية”.
وقال أبو رغيف إن “القدرة الاستخباراتية والأمنية للعراق أصبحت على مستوى عالمي، ليس فقط على صعيد المنطقة، بل في العالم بأسره، ما مكن القوات من تنفيذ عمليات إجهاضية واستباقية دقيقة ضد التنظيمات المتطرفة، بما في ذلك داعش والقاعدة والفصائل الراديكالية الأخرى”.
وأضاف أن “تنويع مصادر السلاح وتطوير برامج التدريب للمنتسبين والقيادات العسكرية ساهم بشكل كبير في رفع مستوى الجهوزية العملياتية”، لافتاً إلى أن “الدور الذي لعبه التحالف الدولي في تجهيز وتسليح القوات العراقية، لا سيما في الجوانب الفنية والاستخباراتية، كان عنصراً محورياً في تعزيز الأداء الأمني على الأرض”.
إنجازات ميدانية ومؤشرات على الاستقرار
وشهد العراق خلال الأشهر الأخيرة سلسلة أحداث أمنية متشابكة، من هجمات متفرقة لتنظيم داعش إلى تحركات فصائل مسلحة خارج نطاق السيطرة، ما دفع الحكومة إلى رفع مستوى التنسيق بين الأجهزة الأمنية وتفعيل غرف العمليات المشتركة في المناطق الحساسة.
وقد انعكس هذا الجهد في ارتفاع معدلات الكشف المبكر عن الخلايا النائمة، وإحباط عشرات العمليات قبل وقوعها، إلى جانب اعتماد خطط جديدة لتأمين الحدود مع سوريا والأردن والسعودية.
وفي مؤشر إضافي على تطور الأداء الأمني الميداني، حصد جهاز مكافحة الإرهاب العراقي المرتبة الأولى في مسابقة المحارب الدولي بنسختها الرابعة عشرة، التي أقيمت في الأردن بمشاركة 23 دولة و38 فريقاً من مختلف أنحاء العالم، في إنجاز اعتبر دليلاً على كفاءة المؤسسة العسكرية العراقية وقدرتها على مجاراة الجيوش المتقدمة في التدريب والانضباط.
ويخلص مراقبون إلى أن هذه التطورات المتسارعة في قدرات الجيش العراقي تشير إلى مرحلة جديدة من الاعتماد الذاتي، ترتكز على الدمج بين الخبرة المحلية والتعاون الدولي، مما يعزز موقع العراق كقوة أمنية إقليمية قادرة على التعامل مع التهديدات الإرهابية دون الحاجة إلى وصاية خارجية.

