شفقنا العراق-يبدأ الصمت الانتخابي في العراق مساء الثامن من تشرين الثاني، ليفتح مساحة نادرة من الهدوء وسط ضجيج الدعاية السياسية، حيث تغلق الميكروفونات وتبقى ورقة الناخب وحدها تتكلم، في لحظة تقاس فيها الديمقراطية بمدى احترام الصمت لا حجم الشعارات.
مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في العراق، تستعد البلاد لدخول مرحلة “الصمت الانتخابي” التي تبدأ مساء الثامن من تشرين الثاني، لتضع حدًا مؤقتًا لكل أشكال الدعاية السياسية والإعلامية.
هذه المرحلة، التي تعد من أبرز مؤشرات النضج الديمقراطي، تهدف إلى تهدئة الأجواء المشحونة بعد أسابيع من الحملات الانتخابية الصاخبة، وتمنح الناخبين فرصة للتفكير الهادئ قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع.
ورغم بساطتها في ظاهرها، إلا أن الصمت الانتخابي يحمل أبعادًا قانونية وتنظيمية صارمة، ويترتب على خرقه عقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامات المالية الثقيلة.
وفي هذا الصدد، قال الباحث القانوني علي التميمي إن الصمت الانتخابي يمثل مرحلة أساسية تسبق الاقتراع، تهدف إلى تهدئة الأجواء وإتاحة المجال أمام الناخبين للتفكير بهدوء بعيدًا عن صخب الدعاية السياسية.
وأوضح التميمي أن “قانون الانتخابات رقم 12 لسنة 2018 المعدل حدد في مادته 24 أن مدة الصمت الانتخابي هي 24 ساعة تسبق يوم الاقتراع العام أو التصويت الخاص، وخلالها يمنع منعًا باتًا القيام بأي نشاط دعائي سواء من قبل الأحزاب أو المرشحين أو الوسائل الإعلامية”.
سباق الدعاية الطويل
وبيّن أن الهدف من هذه الفترة هو “منح الأحزاب والمرشحين فرصة للراحة بعد سباق الدعاية الطويل، وفي الوقت نفسه منح الناخبين فسحة من الهدوء للتفكير واتخاذ قرارهم الانتخابي دون تأثير مباشر أو ضغط نفسي أو إعلامي”.
وأكد التميمي أن مفوضية الانتخابات وبالتنسيق مع هيئة الإعلام والاتصالات والأجهزة الأمنية ستتولى مراقبة تنفيذ تعليمات الصمت الانتخابي بشكل صارم، مبينًا أن الرقابة تشمل أيضًا ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي التي اعتبرتها محكمة التمييز الاتحادية من وسائل الإعلام الملزمة بالالتزام بالقانون.
وأضاف أن “أي خرق للصمت الانتخابي يعد مخالفة قانونية قد تصل عقوبتها إلى الحبس لمدة سنة وغرامة مالية تصل إلى 50 مليون دينار، استنادًا إلى المواد (36 – 43) من قانون الانتخابات المعدل بالقانون رقم 4 لسنة 2023”.
وأشار التميمي إلى أن “دور الإعلام خلال فترة الصمت يقتصر على نشر التوعية بأهمية المشاركة في التصويت وآليات العد والفرز والطعون والإجراءات الدستورية اللاحقة، دون الترويج لأي مرشح أو جهة سياسية”،
مؤكدًا أن “الرقابة ستستمر حتى تصادق المحكمة الاتحادية العليا على النتائج النهائية، وفق المادة (93/سابعًا) من الدستور”.
ثقافة الشعوب
وختم الباحث القانوني حديثه بالقول إن “الممارسة الانتخابية هي مرآة لثقافة الشعوب ومدى التزامها بالقانون، فكلما كان احترام الصمت الانتخابي أكبر، كان الوعي الديمقراطي أعمق”.
وما ان تحل ساعات الصمت الانتخابي، تغلق الميكروفونات وتسدل الستائر على خطابات المرشحين، ليبقى الصوت الوحيد المسموع هو صوت الناخب عند الإدلاء بورقته الانتخابية.
فهذه الهدنة القصيرة ليست مجرّد إجراء قانوني، بل اختبار حقيقي لمدى احترام القوى السياسية والإعلامية لروح الديمقراطية، وفرصة للمواطن العراقي كي يعيد ترتيب أفكاره واختياراته بعيدًا عن الضوضاء.
ومع انطلاق العد التنازلي ليوم الحسم، يبقى الالتزام بالقانون هو الفيصل بين من يسعى إلى تمثيل الشعب بشفافية، ومن يحاول تجاوز الصمت ليكسر توازن العملية الانتخابية قبل بدايتها.

