شفقنا العراق-خطر الجريمة المنظمة في العراق دفع الحكومة إلى إطلاق حرب واسعة على تجارة المخدرات، وصفها رئيس الوزراء بأنها “لا تقل أهمية عن الحرب على الإرهاب”.
في تصاعد لخطر الجريمة المنظمة في العراق، تسجّل محافظات البلاد مواجهات دامية بين القوات الأمنية وعصابات الاتجار بالمخدرات، إذ تحوّلت هذه الظاهرة من جريمة اجتماعية إلى تحدٍّ أمني صريح، فقد باتت الاشتباكات المسلحة بين الطرفين مشهداً مألوفاً، خاصة في المدن الجنوبية، حيث تتخذ عصابات المخدرات من الأحياء الشعبية والطرق الحدودية نقاط ارتكاز لها، في ظل عوائد مالية ضخمة وسلاح متطور يتيح لها الصمود في وجه المداهمات الأمنية.
واندلعت، اشتباكات مسلحة في منطقة الزبير بمحافظة البصرة بين القوات الأمنية ومجموعة من تجار المخدرات، أسفرت عن إصابة خمسة منتسبين للأمن بجروح متفاوتة، وفق مصادر أمنية محلية. وأضافت المصادر أن القوات الأمنية تمكنت من إلقاء القبض على عدد من أفراد العصابة، فيما واصلت ملاحقة آخرين فروا من مكان الاشتباك.
هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ تتكرر مثل هذه المواجهات في عدة محافظات موقعة قتلى وجرحى من الجيش، بينهم ضباط كبار برتب رفيعة، ما يشير إلى خطورة تمدد هذه الشبكات التي باتت تملك نفوذاً وهيكلاً منظماً أقرب إلى المجموعات المسلحة.
ويؤكد مسؤولون بالأمن أن خطر المخدرات لم يعد يقتصر على الجانب الاجتماعي، بل أصبح تهديداً أمنياً يوازي الإرهاب من حيث التنظيم والتسليح.
34 عملية
وتشير تصريحات رسمية إلى أن وزارة الداخلية العراقية أتلفت قرابة خمسة أطنان من المواد المخدرة في 34 عملية نفذتها منذ بداية 2025، وقبضت على أكثر من ثلاثة آلاف متورط في المتاجرة بها.
وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إن الحرب على المخدرات “لا تقل أهمية عن الحرب على الإرهاب”.
وتظهر هذه الأرقام مدى اتساع رقعة الظاهرة وتعقيدها، خاصة مع تحول العراق من ممر عبور للمخدرات إلى سوق استهلاكي نشط، بحسب تقارير الأمم المتحدة.
وحسب ضابط برتبة مقدم في وزارة الداخلية العراقية، فإن “هذه المواجهات المسلحة بين عصابات المخدرات تمثل أولا اتساع حملات الوزارة بملاحقة تلك العصابات الخطيرة”.
كما أكد، أن “القوات العراقية تواجه اليوم خصماً يختلف عن الماضي، إذ لم يعد تجار المخدرات مجرد مهربين يسعون إلى التربح، بل تنظيمات تمتلك أسلحة حديثة وتقاتل من أجل مصالحها”.
ثم أضاف أن “كل عملية مداهمة ننفذها ضد هؤلاء تتطلب تخطيطاً استخبارياً دقيقاً تفادياً للخسائر البشرية في صفوف قواتنا”، مشيرا إلى أن “القوات الأمنية تنفذ عمليات في مواقع خطيرة لأجل تخليص البلاد من خطر المخدرات، وقد أوقعنا قتلى وجرحى كثر في صفوف هؤلاء المتاجرين أثناء مواجهاتهم لنا”.
وتبذل السلطات العراقية جهوداً مكثفة لمواجهة هذه العصابات. فقد أطلقت وزارة الداخلية خططاً ميدانية جديدة تعتمد على العمل الاستخباراتي والتنسيق بين الأجهزة الأمنية كافة، إلى جانب تشديد الرقابة على المنافذ البرية والبحرية.
كما كثفت الوزارة التعاون الدولي في هذا المجال، عبر تبادل المعلومات مع دول الجوار والمنظمات الدولية لملاحقة الشبكات العابرة للحدود التي تمول وتدير تجارة المخدرات داخل البلاد.
المواجهة الأمنية
ورغم هذه الجهود، يرى مراقبون أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي، وأن القضاء على هذه الظاهرة يتطلب استراتيجية شاملة تمتد إلى البعد الاجتماعي والتنموي. فالمخدرات ليست مجرد مادة ممنوعة، بل أزمة مركبة ترتبط بالاقتصاد والسياسة والأمن.
وفي غياب فرص العمل وتراجع الخدمات وتفكك بعض البنى الاجتماعية، يجد تجار المخدرات منفذاً واسعاً للنفوذ، والتجنيد، والانتشار.
ويشير الباحث الاجتماعي حاتم البهادلي إلى أنّ “هذه العصابات وجدت في بعض المدن المهمشة بيئة خصبة للتغلغل والتجنيد، حيث يجري استقطاب الشباب العاطلين من العمل مقابل مبالغ مغرية، ما يحول بعضهم من ضحايا إلى أدوات في شبكات الجريمة”.
ودعا إلى “ضرورة مواجهة تلك العصابات بقوة، حيث باتت تستدرج الشباب للتعاطي وللانتماء إليها، وتواجه الأجهزة الأمنية”.
وأضاف “خطورة تنامي تلك العصابات على المجتمع العراقي تتطلب تعاونا مجتمعيا أمنيا في سبيل تحجيمها ومواجهتها بكافة الطرق”، ويؤشر ارتفاع وتيرة الصدامات المسلحة بين تجار المخدرات والقوات الأمنية إلى معارك مفتوحة لا تتعلق فقط بتطبيق القانون، بل بإعادة فرض سلطة الدولة وهيبتها.
وبينما تبدي الحكومة العراقية إصرارها على مواصلة الحرب ضد تلك العصابات، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل المواجهة من معركة مؤقتة إلى خطة مستدامة تعيد للدولة هيبتها وتغلق منافذ الفوضى التي تتغذى منها هذه الشبكات.
وتعَدّ المخدّرات من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع العراقي، ولا سيّما أنّ تجارتها قد اتّسعت في الفترة الأخيرة بشكل خطر. وفي السنوات التي أعقبت الاحتلال الأميركي عام 2003، صار العراق من بين البلدان التي تنتشر فيها المخدرات التي تهرَّب عبر الحدود بشكل واسع.

