شفقنا العراق-الأزمة المائية في العراق لم تدمر الأرض وحدها، بل أجبرت آلاف العائلات على النزوح، لترسم ملامح أزمة اجتماعية تتجاوز حدود الزراعة.
مع اقتراب الموسم الزراعي الجديد، يعيش الفلاحون والمزارعون في العراق حالة من القلق والحيرة، في ظل أزمة مائية خانقة وتحديات اقتصادية متراكمة، فبحسب بيانات رسمية، تراجع الخزين المائي إلى نحو خمسة مليارات متر مكعب فقط، وهو حجم لا يكفي حتى لتأمين مياه الشرب، ما يضع القطاع الزراعي أمام تهديد غير مسبوق منذ أكثر من قرن.
وتشير تقارير وزارة الموارد المائية إلى أن مناسيب دجلة والفرات انخفضت إلى أقل من النصف مقارنة بالأعوام الماضية، بينما تؤكد منظمات بيئية أن أكثر من 40% من مياه النهرين أصبحت ملوثة من جرّاءِ اختلاطها بمخلفات الصرف الصحي، وهذه الأزمة، التي تتقاطع مع تصاعد نسب التصحر، تهدد بفقدان مئات آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال السنوات المقبلة.
أكبر أزمة
بدوره، قال الخبير البيئي والزراعي كريم بلال، إن “الفلاح العراقي اليوم يعيش ضنك العيش، فلا يملك ثمن البذور ولا كلف الحراثة أو المبيدات، حتى من استلم صكًا من الدولة لم يجد له رصيدًا في المصارف، وهناك آلاف العوائل هجرت أراضيها ونزحت إلى المدن لتسكن في العشوائيات، بينما لا تزال الحكومة صامتة”.
وأضاف أن “أزمة الحالية لم يشهدها العراق منذ أكثر من مئة عام، إذ لم يعد الفلاح قادرًا على الاستمرار في العمل الزراعي بغياب السيولة، ووسط غياب البنى التحتية والبذور المتكيفة مع الجفاف والملوحة”.
ويرى مختصون أن الأزمة مرشحة للتفاقم مع استمرار صمت الوزارات المعنية وعدم إعلان خطة زراعية واضحة للموسم الحالي رغم تجاوز منتصف أيلول.
ويؤكد خبراء أن المعالجة تتطلب خطوات سياسية ودبلوماسية عاجلة للضغط على كل من تركيا وإيران لإطلاق الحصص المائية المقررة للعراق، إلى جانب الشروع بمشاريع استراتيجية تشمل إعادة تدوير مياه الصرف الصحي، وتحلية مياه البزول والبحر، وتوسيع برامج الدعم للفلاحين عبر توفير البذور والأسمدة بأسعار مدعومة، وتسديد الديون المتراكمة عليهم.
ويحذر مختصون من أن تجاهل هذه الملفات سيدفع بمزيد من العوائل الزراعية إلى ترك أراضيها والنزوح نحو المدن، ما سيضاعف من أزمة العشوائيات ويهدد الأمن الغذائي للبلاد.

