شفقنا العراق-زيارة الأربعين شهدت تدفقًا غير مسبوق لملايين الزائرين من شتى أنحاء العالم، حيث امتلأت المدينة بالمواكب الخدمية التي قدمت الطعام والشراب على مدار الساعة، من باكستان والبحرين وإيران وغيرها.
في أجواء مفعمة بالإيمان، وبين حشود الزائرين المتدفقة صوب كربلاء المقدسة لإحياء زيارة الأربعين، تنتشر مواكب الخدمة الحسينية القادمة من مختلف دول العالم، مجسّدة أسمى معاني البذل والعطاء. وفي أزقة المدينة وشوارعها، تمتد الموائد العامرة وتتردد أصوات الترحيب بلغات ولهجات متعددة، تحكي قصة وحدة إنسانية تتجاوز الحدود، وتلتقي عند لغة واحدة يجمعها عشق أبي الأحرار، سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام.
موكب باكستاني
في أزقة كربلاء، وعند أحد الفنادق شاهدنا أحد مواكب الخدمة الحسينية من دولة آسيوية، وعند الاقتراب منهم التقينا (محمد أصغر أعظمي) من دولة باكستان، وساعدنا في الترجمة الأخ عيسى عمران من أهالي كربلاء. وحدثنا قائلاً: إن «الموكب من دولة باكستان، ونبدأ الخدمة من اليوم الثالث عشر من صفر ونوزع الطعام لزوار أبي عبد الله 24 ساعة، فطور وغداء وعشاء، وإن شاء الله نقدم أفضل ما نستطيع».
وأضاف أعظمي أنهم «مستمرون بالخدمة من يوم 13 صفر إلى يوم الأربعين، وجبة الصباح عصير ثم لبن وبعدها نبدأ بالكباب الإيراني، أما بالنسبة للميزانية فهي مفتوحة لخدمة زوار أبي عبد الله الحسين، ولا نحسبها ولا نعرف كم نصرف، لأننا نصرف بدون تحديد مقدار المبلغ».
وبما يخص التسهيلات، أكد صاحب الموكب الباكستاني، أن «التعامل من قبل الجهات الرسمية مع الزوار العراقيين والأجانب ممتاز والحمد لله، والمؤسسات الحكومية متعاونة معنا ولا توجد صعوبات في دخول المواد أو نصب الموكب وتسهيل أموره».
وأشار إلى أن «الواقع الأمني جيد، والأجهزة الأمنية العراقية متعاونة، والأشقاء العراقيون يحبون الباكستانيين ويتعاونون معهم، ولذلك نشعر أننا في بلدنا».
الأشقاء البحارنة
على بعد أمتار عند «باب بغداد» في كربلاء المقدسة، التقينا الحاج (رضا أبو إبراهيم) من مملكة البحرين، صاحب أحد المواكب الحسينية مع أقربائه وأصدقائه، حدثنا قائلاً: إن «هذا الموكب من مملكة البحرين ومتواجد هنا في (باب بغداد) منذ سبع أو ثماني سنوات تقريباً، ونحن نأتي إلى العراق عبر الطيران وقسم عبر البرِّ، وقبل وصولنا تنطلق من ثلاث إلى خمس شاحنات محملة بالمواد الغذائية واللحوم وغيرها».
وأوضح، أن «نوعية الأكل والشرب في البحرين تختلف عن العراق، لكن الأخوة في الموكب قرروا أن تكون الخدمة متوازنة بحيث تناسب الجميع سواء كانوا إيرانيين أو خليجيين أو عراقيين، والموكب يعمل بنظام جماعي ولا يعتمد على شخص واحد وإنما على عدة أشخاص، والحمد لله العمل يسير بسلاسة واحترام».
وأشاد (أبو إبرهيم) بتعاون العتبتين المقدستين الحسينية والعباسية في تسهيل دخول الشاحنات والمواد وحتى إصدار (الفيزا)، وأشار إلى أنهم «يحصلون على الثلج والصمون من الأقسام التابعة للعتبتين مجاناً». وأضاف، أن «العمل مستمر منذ سبع سنوات والكل متعاونون من الكبير إلى الصغير».
في شارع السدرة
وفي شارع السدرة، بكربلاء المقدسة، التقينا (جمال قاسم) من جمهورية إيران الإسلامية ويسكن الأهواز، ويقول :»إنني أخدم في العراق في كربلاء منذ أسبوع تقريباً، والأجواء هنا والحمد لله قمة في الروحانية والتفاني في العمل والإخلاص في الخدمة».
وأضاف، أن «التسهيلات الأمنية ممتازة والحمد لله، وعند مجيئنا من إيران إلى العراق لم نحتج إلى تأشيرات مجرد ختم بسيط على الجواز والحمد لله الأمور سهلة»،
وبيّن «أنا أخدم هنا منذ عام 2013 وحتى الآن، وموكبنا يقدم خدمات كثيرة ببركات الحسين (عليه السلام)»، مبدياً شكره وتقديره لأهل العراق على التعامل الحسن والكرم والتعاون الأخوي.
ومن ناحية الكهرباء والأمور اللوجستية، أكد قاسم، أن «الأمور جيدة، ونعلم أن الأعداد القادمة للزيارة كبيرة، و قد تحصل بعض الهفوات البسيطة، لكننا بالمجمل نؤكد التعاون والمعاملة الجيدة».
«أحيوا أمرنا»
على بعد 10 كيلومترات عن الحرم الحسيني الطاهر على طريق نجف – كربلاء، أقامت العتبة العباسية المقدسة مجلس عزاء حاضر فيه القارئ الحسيني الشيخ أحمد سلمان من تونس – وهو غني عن التعريف – وقد غصَّت القاعة بالزوار، يلفت انتباهك في حضورهم تنوعُ لغاتهم ولهجاتهم, وألوانهم ولكناتهم العربية فمن عراقي إلى سعودي إلى بحريني إلى كويتي، تتعانق لهجاتهم الهامسة وهم يصغون إلى القارئ وهو يتحددث عن محاضرته المعنونة بـ(أحيوا أمرنا) المقولة التي صدرت عن الإمام جعفر الصادق «عليه السلام» وكانت محوراً لكثير من المفاهيم الحسينية.
في محاضرة الشيخ أحمد سلمان يطرح آراء عقلانية طالما كان لها تأثير كبير في المتلقي العربي. تصفحنا الوجوه المنشغلة بتعابير وجه القارئ وابتساماته بين حين وآخر، وهو يأخذ الجمهور بين سطور التراث والتاريخ والقرآن، كأنه يتجوّل بهم بين مفاهيم النور والخضرة والجمال، ذاهباً إلى مفاتن اللغة واصطلاحاتها وشواهد القرآن ومعاجزه، مبيناً مواطن الحياة والموت في القرآن والتراث ليضع في أذهان جمهوره أن مقولة (أحيوا أمرنا) تذهب مما تذهب إليه نحو الحياة الحقيقية التي هي “حياة الوعي والإيمان”.
مؤكداً على أن “إحياء الأمر” لا يقتصر على إقامة الشعائر بل يصل إلى حدود أشمل من ذلك، ومنها نشر علوم أهل البيت “عليهم السلام” واتخاذهم مثلاً أعلى.
ثم تحدث القارئ الحسيني التونسي، عن رأيه بما شاهد من خدمة لهذه الحشود المليونية بما يفوق التصور، وأن الناس هنا يتسابقون على تقديم الخدمة كأنها بالنسبة لهم حياة من نوع خاص، وأن ما يقدم على طريق الحسين “عليه السلام” وفي سبيل محبته “شيء من الإعجاز حقاً”.
طريق «يا حسين»
بعد ذلك، أكملنا رحلتنا منطلقين بين الحشود، لتطلع على ما يقدم من خدمة ومعيشة ذلك الجو الروحاني، وكان الغريب بالأمر أن درجة الحرارة المرتفعة لم تمثل عائقاً للزائرين، وكنّا مضطرين للمسير على مهل لأن طريق (يا حسين) المخصص للزوار والذي عملت الحكومة المحلية على توسعته لا يتسع لتلك الأمواج البشرية الهائلة، وكان خَدَمَة الامام الحسين «عليه السلام» يتسابقون على دفع تلك الأمواج نحو الأماكن المخصصة للأكل على الأرصفة والجزرات الوسطية التي نُصبت عليها الخيام والمواكب ووضعت داخلها أجهزة التبريد.
فبينما كنّا نسير باحثين بين حين وآخر عمن يتحدث لنا من الزوار الإيرانيين عن رأيهم بالزيارة وأجوائها والخدمة وأنواعها، أمسك بيدنا أحد مقدمي الخدمة وجرَّنا نحو مائدة تزدحم بما لذَّ وطاب،
فانتبهنا إلى اختلاف لهجته العربية، تبين لنا بعد ذلك أنه إيراني عربي من الأهواز فقلنا له ممازحين: (لن نمدَّ يدنا على الزاد إلا بشرط) فقال لي بشيء من الجدية: (لو طلبت كل ما أملك سأعطيكم إياه مقابل أن تأكلوا لقمة واحدة). لم نندهش، فقد سمعنا عن مثل هذه الروح، ولكن ما فاجأنا هو مرافقة الدمع في عينيه لما تنطق به شفتاه.
(سيد عدنان سيد عباس) هذا هو اسمه، واتضح أنه جاء من الأهواز قبل أكثر من أسبوع ليخدم زوار الإمام الحسين «عليه السلام» مع أصدقائه في موكب عراقي، يقول (سيد عباس): «شاهدت قصصاً عجيبة في طريقي للإمام الحسين (عليه السلام) وقد جئت لهذا الطريق لأزداد قوة وصلابة وإيماناً، أنا أشعر أن رؤية هذه الحشود أمر لا يتكرر في العالم إلا في هذا الطريق نفسه، كما أن العجائب التي أراها في ما يقدمه العراقيون من خدمة لا يمكن تصورها، إذ يبتكرون أساليب جديدة على مستوى الطبخ وأنواعه، وتوفير وسائل الراحة عاماً بعد آخر».
نهر الزوّار
عانقناه بعد ذلك، ثم مضينا كأننا «موجة صغيرة» تضيع بين أمواج هائلة في نهر عظيم من الزوار، تختلط به القوميات والأعراق والجنسيات، فكان الهنود والباكستانيون تتداخل لغتهم على مسمعنا.
التجأنا إلى موكب يتجمع عنده زوار سعوديون وبحارنة أبدوا إعجابهم بما يقدم من خدمات على الطريق، أحدهم ضحك قائلاً: «وجدنا عراقيين يوزعون الأموال في أحد المواكب وينادون (كروة يزاير). وهذه الجملة لمن لا يعرفها تعني (أجرة السيارة)».
وبوصفنا معتادين على جنون العراقيين بحب الحسين، لم نستغرب الأمر، فسألناه (ما المضحك في هذه الخدمة)؟. فقال: «المضحك هو أن الناس تتقاتل في سبيل الحصول على المال، وأنتم توزعونه في الشوارع».
أكملنا طريقنا، فكان من الملفت حمل بعض الزوار لصور آبائهم المتوفين على ظهورهم أو على حقائبهم، تعبيراً منهم عن طلب الرحمة من الله لهم عند ضريح الحسين «عليه السلام»، أو حمل بعضهم لأعلام بلدانهم تعبيراً عن انتمائهم الوطني، فضلاً عن انتشار بعض الأطفال في المواكب الخدمية في ظاهرة تشعرك باللطف حيث يستقبلون الزائرين مع آبائهم بمحبة ولهفة كبيرة.
خدمات ثقافية ولوجستية
لم يخلُ الطريق من الخدمات الثقافية التي تميزت بها هذه السنة بعض المؤسسات مثل الموكب الثقافي لمدرسة «خاتم الأنبياء»، وموكب آخر أقامته الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة هو عبارة عن معرض للصور والملصقات بعنوان (معرض فجر عاشوراء الثقافي) يضم صوراً وقصصاً إنسانية مهمة وجملاً عن المفاهيم الفكرية الحسينية التي تتحدث عن وحدانية الله وعبادته، بالإضافة إلى القصص الحسينية التي تصبُّ في هذا الجانب العبادي.
إلى الأمام، لفت انتباهنا موكب مختلف يقدم خدمة أخرى هي متابعة المفقودين والتواصل مع الجهات الحكومية أو الأهالي في سبيل إعادتهم وخاصة الأطفال وكبار السنِّ، كان الموكب بعنوان (مركز المفقودين)، ثم توقفت «الصباح» عند موكب يمتلك فضاءً جديداً كان الزوار يقفون بجانب جداريات يتطلعون على ما كتب فيها، الموكب بعنوان (أحيوا أمرنا الثقافي) كتب على أحد ملصقاته (طريق واحد، طريق كربلاء طريق القدس) بعد مسافة غير قليلة من المشي بين الزوار، توقفنا عند موكب ثقافي آخر أقامه قسم (دار القرآن الكريم) التابع للعتبة الحسينية بعنوان (معرض زيارة الأربعين للخط العربي)، قدمت فيه لوحات من الخط العربي على أنواعه بمضامين حسينية. كما كان هنالك موكب يضم عدداً من الرسامين يجلسون أمام الزوار ويرسمون لوحات تعبر عن الواقعة الحسينة بمضامين فنية عالية.
لجنة الأمر الديواني
وفي جانب آخر، أقيم موكب يشرف عليه رئيس «لجنة الأمر الديواني» المكلّف بالإشراف على الزيارة الأربعينية، النائب علي الحميداوي، الذي سألناه عن رأيه بالزيارة المليونية وإجراءاتها الحالية فضلاً عن جهود الحكومة المرتقبة للتفويج العكسي للزوار،
فقال في حديث: إن «لجنة الأمر الديواني 267 التي تشكّلت قبل سنة وترأستها، مهام عملها مراقبة العمل الحكومي في ما يخص الزيارات المليونية، وخصوصاً زيارة الأربعين، ولقد بات واضحاً لدى الجميع أن هذه الزيارة أصبحت تمثل جزءاً مهماً من هوية البلد، ويجب إظهارها بالشكل الذي يليق بعنوانها وأثرها الإنساني وأهميتها».
وأوضح، أن «الحكومة منذ ثلاث سنوات تهتم بالزيارة الأربعينية اهتماماً مختلفاً عن سابقاتها من الحكومات، حيث شكّلت لجنة دائمية سميت (لجنة الزيارات المليونية)، وهذه هي المرة الأولى التي تشكّل فيها الحكومة لجنة كهذه أخذت على عاتقها رسم أكثر من مشروع والمباشرة به، حيث أكملت حتى الآن أكثر من ثلاثين مشروعاً مهماً الغرض منها النهوض بواقع الزيارة تتعلق بالنبى التحتية وقطاع الكهرباء».
وأضاف الحميداوي: «ملايين الزوار يتوافدون إلى كربلاء المقدسة في بقعة لا تتجاوز مساحتها 7 كيلومترات مربعة، وبالحسابات المادية هذه البقعة لا تتحمل هذا العدد، علماً أنه من المتوقع أن تفوق هذه الزيارة 25 مليون زائر، منهم ما يزيد على خمسة ملايين زائر من خارج العراق يتوزعون على أكثر من تسعين جنسية بين عربية وأجنبية».
معالجة السلبيات
وتابع: «أنا متواجد منذ عشرين يوماً في كربلاء، وقد اجتمعت بالمحافظ ووزير الكهرباء ووزارات ومؤسسات أخرى، ناقشنا معهم خططهم واستعرضنا الكثير من ملاحظاتنا في السنوات السابقة، ووجدنا أنهم عملوا على معالجة السلبيات».
وعن خطة التفويج العكسي، قال الحميداوي: «هنالك اهتمام كبير وواضح من قبل الحكومتين المركزية والمحلية عبر جميع المؤسسات بعملية التفويج العكسي، حيث تم إعداد أكثر من ساحة للتفويج مجهزة بكامل مستلزماتها».
معرباً عن آماله بأن «يكون التفويج العكسي بمستوى ما يحصل منه على طريق نجف – كربلاء الذي تم تبنيه من قبل هيئة الحج والعمرة، حيث جهزت أكثر من 1300 باص مكيَّف لنقل الزوار، بينما في محاور أخرى عند ذروة الازدحامات في عملية التفويج نشاهد وجود بعض شاحنات النقل (التريلات) تستخدم للضرورة، وأنا أرى أن هذه الطريقة لا تليق بالزائر، لهذا يجب علينا إيجاد البدائل ومغادرة هذا الموضوع من خلال مشروع لتأسيس أسطول نقل يستخدم في الزيارة المليونية ويتم استثماره لقضايا أخرى، ويمكن أن تكلّف العتبتان العباسية أو الحسينية بتنفيذ هذا المشروع أو أي جهة أخرى قادرة على إنجازه».

