شفقنا العراق-تعد أزمة البيع بالتقسيط انعكاسًا واضحًا لتراجع القدرة الشرائية وانتشار البطالة في العراق، حيث تتجه الأسر المتوسطة والضعيفة الدخل نحو هذا الخيار كمهرب وحيد لتأمين احتياجاتها اليومية.
في ظل تراجع القدرة الشرائية وتفشي البطالة، لم يعد الشراء نقدًا فرصة متاحة للجميع، فتتجه الأسر المتوسطة والضعيفة الدخل إلى الشراء بالتقسيط كمهرب وحيد أمامها لتوفير احتياجاتها، لكن سرعان ما يتحول هذا الحل المؤقت إلى عبء يلاحقهم ويرهق الرواتب، ويقودهم نحو الغرق بالديون.
«فخ ومعاناة»
يروي لنا المواطن أبو حسين، الموظف في إحدى الدوائر الحكومية، وأب لثلاثة أولاد، أن الأقساط تحولت إلى عبء أثقل كاهله، بعد ما كانت حلًّا سهلًا بالنسبة له، لكي يؤثث منزله بأغراض بسيطة.
يتابع أبو حسين: «منذ فترة قصيرة استأجرت منزلًا صغيرًا، إلا أنه كان بحاجة إلى تأثيث، وأنا لا أستطيع أن أشتري نقدًا، فرأيت إعلانًا لإحدى الجمعيات التي تبيع بالأقساط مع استقطاع بسيط، كنوع من التسهيل للمواطن، ورأيتها فرصة مناسبة، لذا ذهبت وأخذت الأغراض الأساسية للبيت بالأقساط، لكن بمرور الوقت اكتشفت أن نسبة الاستقطاع كبيرة، وأصبحوا يطالبونني بدفع الأقساط بأسعار مرتفعة قياسًا بالأقساط التي استقطعوها في البداية».
التزام اختياري
ويؤكد حسين السايري، أحد العاملين في مجال البيع بالتقسيط، أن عمليات البيع تنظم بحضور كفيل يضمن الحقوق بين الطرفين، مع بعض الشروط البسيطة، إذ يتفق على تاريخ ثابت للدفع شهريًا يكون مطابقًا ليوم الشراء، ويتم الالتزام بالمبلغ المتفق عليه دون تغيير، والعقود ليست قانونية أو صادرة عن جهة رسمية، بل هي صيغ عرفية تبرم بالاتفاق بين الطرفين، يوثقها حضور كفيل.
ويرى أن مسألة التخلف عن التسديد شائعة، لكن يتم التعامل معها بتفهم، حيث يمنح الزبون مهلة إضافية قد تصل إلى شهرين، وبعدها يتكفل الكفيل بالسداد، إلا أننا نراعي الحالة المعيشية أحيانًا.
وعن اتهام البعض بأن البيع بالتقسيط هو نوع من الربا المقنّع، يقول السايري: لا مخالفة شرعية ما دام البيع يتم بالتراضي ومن دون استغلال واضح، وإذا أرادت الحكومة التدخل في تنظيم هذا النوع من المعاملات، يجب أن تراعي أن هذا السوق يشكّل مصدر رزق لأسر كثيرة، نافيًا أن يكون التقسيط سببًا في إفلاس الأسر، بل هو حل عملي لكثير من الأسر التي لا تستطيع شراء حاجاتها نقدًا.
عقد ملزم
من جانبه، أوضح الخبير القانوني الدكتور إبراهيم السلطاني أن البيع بالتقسيط يعد من العقود المدنية المنظمة ضمن أحكام القانون المدني العراقي، ويخضع لكامل قواعد البيع المعروفة قانونيًا،ط.
مبينًا أن أي عملية بيع مهما كانت بساطتها تعد عقدًا ملزمًا للطرفين البائع والمشتري، ويترتب عليهما حقوق والتزامات متبادلة.
وليس في العراق حتى الآن تشريع خاص ينظم عمليات البيع بالتقسيط أو البيع بالآجل، بل يكتفى ببعض التعليمات العامة، ويبقى الاحتكام الأساسي لما ينص عليه في بنود العقد الموقّع بين الطرفين، بشرط ألا تخالف هذه الشروط النظام العام أو تتضمن غبنًا فاحشًا.
مؤكدًا أن العقود في البيع بالتقسيط تستند إلى الاتفاق، لكنها تحتكم في النهاية إلى القانون المدني، ولا يجوز تجاوز حدوده باسم السوق أو العرض والطلب.
وأشار إلى أن القانون يلزم البائع بوصف السلعة المبيعة وصفًا دقيقًا وكاملًا، حتى تتكون لدى المشتري صورة واضحة عنها، وفي حال وجود غش أو إخفاء معلومة جوهرية، يعد ذلك تدليسًا، ويحق للمشتري حينها طلب فسخ العقد.
مضيفًا أنه في حال عجز المشتري عن تسديد الثمن، يحق للبائع المطالبة به قانونيًا مع إضافة الفوائد القانونية، باعتبار أن العقد تم برضا الطرفين على السعر وشروط الدفع.
غياب التنظيم
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور دريد العنزي أن «نظام التقسيط أداة عالمية رائدة لتحفيز الاقتصاد وتحقيق العدالة الاجتماعية، وأن الدول الأوروبية تطبق هذا النظام بشكل موسّع، حيث يستطيع الشاب شراء منزل أو سيارة بالتقسيط منذ بلوغه، بدعم من أنظمة الضمان الاجتماعي وسوق عمل مستقر».
ويعتقد العنزي أنه «في تلك البلدان لا يعد عبئًا، بل ينظر إليه كبديل عن الإيجار، مع تحديد نسب ربح سنوية بسيطة وثابتة، دون فوائد مركبة، وهو ما يجعل العملية مرنة وعادلة. أما في العراق، فبرغم انتشار البيع بالأقساط، إلا أن غياب القانون الناظم جعل من هذه العملية عشوائية وأحيانًا استغلالية».
ويشير العنزي إلى أن نسبة البطالة بين الشباب تصل إلى 32%، أي ما يقارب ثلث القوة الشابة، ما يعني أن فرصهم في التملك محدودة جدًا، إلا إذا توفرت لهم أنظمة تقسيط مدروسة وقانونية.
كما دعا إلى إشراك العاملين في القطاع الخاص في نظام ضمان اجتماعي حقيقي، كي يصبح بمقدورهم دخول سوق التقسيط بثقة، مثل سائقي الأجرة والحرفيين والعمال وغيرهم من أصحاب المهن غير المضمونة.

