شفقنا العراق-لم تكن السيدة زينب بنت علي شاهدةً على المأساة، بل كانت عمود خيمتها وروح نهضتها؛ امرأة عالمة غير معلّمة، وقفت أمام الطغيان بصلابة، وواجهت القهر بوعي، واحتملت المصائب بأفق إلهيّ لا يحدّه الزمن.
تنازعتني نفسي وانقسمت عليّ، شطر منها يطالبني بالكتابة عن علمها وبطولتها وشطرٌ عن شهادتها وقسم عن مصيبتها، فوقفت أمامها بجل حيرتي قائلا : سيدتي زينب يا بنت الطيبين ماذا أكتب وبأي خطاب أصفك وأنت آية، والآية لا تعرف بقوانين الأرض وإنما بقوانين السماء؟،
وللخروج من هذا المأزق وفهم كيف وقفت هذه المرأة بوجه أعتى حاكم عرفه التأريخ بكل صلابة وعنفوان موبِّخة له وسط جيشه ومركز حكمه منادية “ولئن جرَّت عليّ الدواهي مخاطبتَك، إني لأستصغرُ قدرك، وأستعظمُ تقريعك، واستكبر توبيخك”. لابد أن نعود إلى نشأتها، كي نطلع على مصدر علمها وشجاعتها غير المتناهية.
في كنف الرسول وأمها الزهراء عليهما السلام
من الطبيعي أن البنت تميل للتعلم من أمها بحكم أنهما من جنس واحد، فتخيل أن كانت هذه الأم هي فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين، المطهَّرة من كل رجس في آية التطهير، ومن كان يسميها رسول الله صلى الله عليه وآله (أم أبيها) وروحه التي بين جنبيه وغيرها من صفات الكمال.
كانت شاهدة على هذا كله، وشاربة من منهل الوحي النقي حين كان جدها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله يشرِّف بيتهم ويلقي على أسماعهم خبر السماء وحكم النبوة، وأنباء ما سيجري عليهم من انقلاب هذه الأمة المنكوسة.
فكانت خير وعاء ووارثة لهذا العلم وعلم أمها وحزنها في الوقت نفسه، فلقد تحملت مرارة يتم الأم وهي صغيرة كما كان حال الزهراء سلام الله عليها حين فقدت أمها السيدة خديجة الكبرى عليها السلام، فتشكلت شخصيتها القيادية منذ تلك الأيام حين أصبحت فجأة ربة بيت علي عليه السلام والمراعية له ولأخوتها الحسن والحسين عليهما السلام .
مع أبيها أمير المؤمنين عليه السلام
يروى أنها في طفولتها كانت جالسة في حجر أبيها (علي) وهو (عليه السلام) يلاطفها بالكلام – فقال لها: يا بني قولي: واحد، فقالت: واحد، فقال لها: قولي اثنين، فسكتت، فقال لها: تكلمي يا قرَّة عيني، فقالت (عليها السلام): يا أبتاه ما أطيق أن أقول اثنين بلسان أجريته بالواحد، فضمَّها صلوات الله عليه إلى صدره وقبلها بين عينيها.
وهذا ينمُّ عن أنها عليها السلام ومنذ نعومة أظفارها دخلت مدينة العلم النبوية من بابها الشرعي، وتلقت درسها الأول من لسان الغيب، فتشبَّعت بعلوم الكتاب وجوامع الكلم وما يفيض من بحر الإمامة الزاخر بغوامض العلوم ولوامع التوحيد.
عالمة غير معلمة
وبالتالي لا غرابة حين نقرأ أن الإمام زين العابدين عليه السلام يقول لها :”وأنتِ بحمد الله عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة”، ولكن لفهم المعنى الذي يرمي اليه الإمام عليه السلام، لا بد من مقدمة ولو على وجه الاختصار.
تنقسم العلوم المتحصلة للفرد من طريقين لا ثالث لهما، إما كسبية أو لدنية إلقائية، الأولى تعتمد على التلقي عبر واسطة مادية، كفهم ما في الكتب من علوم أو التحصيل عبر الدراسة عند أحد العلماء أو الأساتذة وهكذا، فيما الثاني يأتي عن طريق الإلهام أو الإلقاء في الروع، وهذا لا يتوفر لكل أحد، وإنما لمن صفا قلبه وزكت نفسه وعقل عن الله مراده.
هذا جانب، أما الآخر فإن العقيلة زينب عليها السلام تدخل من خلال العبارة المتقدمة في دائرة أهل البيت القرآنية وإن بدرجة أقل من الخمسة أصحاب الكساء عليهم السلام، فإن الله تبارك وتعالى قال (إنَّه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمَسُّه إلا المطهَّرون) (الواقعة: 77 ـ 79) والمس كما لا يخفى على اللبيب أنه غير اللمس، فإن الثاني مادي حسي، فيما الأول يعني الإدراك والفهم، أو هو مطلق الإحساس الباطني والشعور به، ومن يتتبع الاستعمال القرآني للفظتين يجد الفرق واضحاً بين الاستعمالين .
وعليه فإن أهل البيت عليهم السلام وبدلالة آية التطهير {إِنَّمَا يرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، هم المخصوصون بإدراك معاني القران الكريم الذي فيه تبيانٌ لكل شيء، وبما أن العقيلة عليها السلام، بشهادة إمام معصوم هو زين العابدين بأنها عالمة غير معلمة وفهمة غير مفهمة، أي من دون واسطة، ولمّا علمنا أن مصدر العلم الأول هو كتاب الله تبارك وتعالى، فإن زينب تقع ضمن هذه الدائرة المخصوصة بفهم وإدراك القرآن، وبالتالي تقف على السنام الأعلى من علماء الإسلام وتحت الأئمة المعصومين عليهم السلام .
شجاعتها عليها السلام
مرَّ بنا آنفاً كيف وقفت بكل صلابة أمام طغيان الملعون يزيد، ثابتة الجنان، صلبة الإيمان مرتفعة الهام وهي تقول له “:أظنَنْتَ يا يزيد حيث أخَذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبَحنا نساق كما تساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هَواناً وبك عليه كرامة ؟! وأنّ ذلك لِعِظَم خَطَرِك عنده! فشَمَختَ بأنفِك، ونظرتَ في عِطفِك، جَذلانَ مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستَوسِقة، والأمورَ متَّسِقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا.
مهلاً مهلاً! أنَسِيتَ قول الله تعالى: ولا يَحسَبنَّ الذين كفروا أنّما نملي لَهُم خيرٌ لأنفسِهِم، إنّما نملي لَهُم ليزدادوا إثماً ولهم عذابٌ مهين ؟! أمِن العدلِ، يا ابنَ الطُّلَقاء، تخديرُك حَرائرَكَ وإماءَك وسَوقُك بناتِ رسول الله سبايا قد هتِكت ستورُهنّ، وأبدِيت وجوهُهنّ ؟! تَحْدُو بهنّ الأعداء من بلدٍ إلى بلد، ويستشرفهنّ أهلُ المناهل والمناقل، ويتصفّح وجوهَهنّ القريب والبعيد والدنيّ والشريف! ليس معهنّ مِن رجالهنّ وَليّ، ولا مِن حماتِهنّ حَمِيّ، وكيف يرتجى مراقبةُ مَن لفَظَ فوهُ أكبادَ الأزكياء، ونَبَت لحمه بدماء الشهداء ؟! وكيف يستبطئ في بغضنا أهلَ البيت مَن نظرَ إلينا بالشَّنَف والشَّنآن، والإحَن والأضغان..” .
ثم قالت “فوَ اللهِ ما فَرَيتَ إلاّ جِلْدَك، ولا جَزَزْتَ إلاّ لحمك، ولَتَرِدنّ على رسول الله بما تحمّلت مِن سَفكِ دماءِ ذريّتهِ، وانتهكتَ مِن حُرمته في عِترته ولُحمته! حيث يجمع الله شملهم، ويَلُمّ شعَثَهم، ويأخذ بحقّهم.. ولا تَحسَبنَّ الذينَ قُتِلوا في سبيلِ اللهِ أمواتاً بل أحياءٌ عندَ ربِّهم يُرزَقون . حَسْبُك بالله حاكماً، وبمحمّدٍ خَصيماً، وبجبرئيل ظَهيراً، وسيعلم مَن سوّى لك ومكّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً! وأيُّكم شرٌّ مكاناً وأضعَفُ جُنْداً! ولئن جَرَّت علَيّ الدواهي مُخاطبتَك، إنّي لأستصغرُ قَدْرَك، وأستَعظمُ تَقريعك، واستكبر توبيخك!! لكنّ العيون عَبْرى، والصدور حَرّى. ألا فالعَجَب كلّ العجب.. لقتلِ حزبِ الله النجباء، بحزب الشيطان الطلقاء!…”.
مصابها سلام الله عليها
إن مسلسل الحزن لم يتوقف في حياة السيدة زينب عليها السلام، فمنذ طفولتها الأولى فقدت جدها رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم ما لبثت بعد أيام أن فقدت روحها وريحانتها أمها وعزيزتها الزهراء عليها السلام، ثم عاشت آلام أبيها أمير المؤمنين علي وما قاساه من انقلاب الأمة عليه ومحاربتها لها حتى وصف الإمام الحجة عليه السلام ذلك في دعاء الندبة بقوله “والأمة مصرة على مقته مجتمعة على قطيعة رحمه وإقصاء ولده إلا القليل ممن وفي لرعاية الحق فيه فقتل من قتل وسبي من سبي..”، ويستمر مسلسل حزنها ومصائبها التي لا تنتهي باستشهاد الإمام الحسن المجتبي وما جرى على الحسين الشهيد في كربلاء .
دورها في كربلاء
يقول الشيخ الصدوق وروي: إنّه كانت لزينب عليها السّلام نيابة خاصّة عن الحسين عليه السّلام، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام، حتّى برئ زينُ العابدين عليه السّلام من مرضه.
من خلال ما مرَّ نفهم أن لزينب العقيلة دوراً كبيراً في نهضة الحسين المباركة وثورته الإصلاحية الكبرى، فلقد كانت ذراعه اليمنى في تسيير شؤون الأسرة الكبيرة المؤلفة من الأطفال ونساء بني هاشم ونساء الأنصار الكرام، والحفاظ على سلامتهم بعد الشهادة المفجعة، ومن ثم دورها البطولي في الدفاع عن حياة الإمام السجاد عليه السلام الذي كان يتوقف مصير استمرار الإمامة على بقائه حياً، وكيف رمت بنفسها أمامه في مجلس ابن زياد الملعون حين تحدث عن قتله كما تقول هذه المصادر التاريخية “ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين
وقال له: من أنت؟ فقال: أنا علي بن الحسين فقال: أليس الله قد قتل علي بن الحسين؟ فقال علي: قد كان لي أخ يسمى علي بن الحسين, قتله الناس فقال ابن زياد: بل الله قتله فقال علي بن الحسين: الله يتوفى الأنفس حين موتها.
فكبر على ابن زياد أن يردَّ عليه فأمر أن تضرب عنقه. فتعلقت به زينب عمته, وقالت: يا بن زياد! حسبك من دمائنا. واعتنقته وقالت: والله لا أفارقه, فإن قتلته فاقتلني معه.
فقال السجاد عليها السلام: أما علمتَ أن القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة, ثم قال: عجباً للرحم! والله إني لأظنها ودت أني قتلتها معه, دعوه فإني أراه لما به”.
ما رأيت إلا جميلاً
لقد هدمت هذه الجملة كل ما أراده بنو أمية لعنهم الله من تحريف للإسلام والعودة إلى جاهليتهم الأولى، وهزَّت عروشهم، لأنهم تيقّنوا أن هذه الكلمة لم تخرج إلا من فم امرأة عارفة بالله راضية بقدره متوكلة عليه، فإن كانت نساء بني هاشم بهذه الصلابة من العقيدة، فكيف برجالهم، وأي طريقة بعد القتل والتمثيل كفيلة بثنيهم عن المضي بإصلاح دين جدهم النبي صلوات الله عليه وآله ومحاولاتهم المحمومة لهداية الناس وانقاذهم من الضلالة ؟.
“قال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟! فقالت: ما رأيت إلا جميلاً, هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل, فبرزوا إلى مضاجعهم, وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده فانظر لمن الفلج يومئذ, ثكلتك أمك يا بن مرجانة!! فغضب ابن زياد واستشاط , فقال له عمرو بن حريث: أيها الأمير, إنها امرأة والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها”.
عبادتها المبهرة للعقول
ليس عجباً لمن تربّى بحجر النبي ومن ثم الوصي وسيدة النساء ورافق المعصومين، أن يخرج عن مقاساتنا وموازيننا العقلية، لأنه ببساطة إن آل محمد لا يقاسون بأحد كما نصَّ على ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، وإلا كيف لإمرأة يذبح ولداها الشابان أمام أعينها، وتشهد قتل أخيها وربيبها قمر بني هاشم العباس عليه السلام بهذه الوحشية، ومن ثم تقف على مقربة من أخيها وسيدها وإمامها الحسين سيد شباب أهل الجنة والسيوف تأكل من جسده كما تشتهي، والرماح تخترق جسده الشريف مثلما تريد،
ثم يذبح كما تذبح الشاة، وتبقى رابطة الجأش، صلبة الإيمان، موقِنة بربها، فتذهب بعد كل هذه المشاهد التي تشيب لها الولدان عند الجسد السليب المقطع، فترفعه قائلة :”اللهم تقبل منا هذا القربان” !، ثم الأعجب من ذلك تعجب الامام زين العابدين عليه السلام من رؤيتها تصلي نافلة الليل جلوساً، فقد جاء عنه عليه السلام “إن عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها من الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام من قيام، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت: أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال، لأنها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام بين الأطفال لأن القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفاً واحداً من الخبز في اليوم والليلة”.
وقال أيضاً :”إن عمتي زينب (عليها السلام) مع تلك المصائب والمحن النازلة بها في طريقنا إلى الشام ما تركت نوافلها الليلية”.
كما ورد أن الحسين (عليه السلام) لما ودع أخته زينب (عليها السلام) وداعه الأخير قال لها: يا أختاه لا تنسيني في نافلة الليل. فأي إمراة هذه؟، وأي صبر هذا؟، وأي توكُّل ومعرفة وعشق لله ؟.
نبوءتها المقدسة
قال الإمام زين العابدين عليه السلام :”إنه لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتل أبي (عليه السلام) وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الأقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى، ولم يواروا، فيعظم ذلك في صدري، ويشتد لما أرى منهم قلقي فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت على الكبرى، فقالت مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي؟
فقلت: وكيف لا أجزع ولا أهلع، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مصرعين بدمائهم مرملين بالعراء، مسلبين لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر.
فقالت: لا يجز عنك ما ترى فوالله إن ذلك لعهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء (عليه السلام) لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام و ليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهوراً وأمره إلا علواً.

