شفقنا العراق-بعيدًا عن أعين الإعلام وصمت رسمي لافت، عاد سجن الحوت في الناصرية إلى الواجهة بعد تنفيذ إعدامات سرّية بحق ثلاثة سجناء، رغم سريان قانون العفو العام، ما يسلط الضوء مجددًا على واقع قاتم في أكبر سجون العراق، حيث تنتهك حقوق المحكومين وسط اتهامات بالتعذيب وغياب الشفافية القضائية.
أفادت مصادر أمنية وحقوقية من محافظة ذي قار، جنوبي العراق، بأن إدارة سجن الحوت (الناصرية المركزي)، نفذت الأسبوع الماضي أحكام إعدام بحق ثلاثة أشخاص بعدما رفضت طلباتهم وطلبات محاميهم بإعادة التحقيق بناءً على ما جاء في قانون العفو العام الذي أقّره البرلمان العراقي في يناير/كانون الثالني الماضي، مؤكدة أن “الإعدامات التي تنفذ لا تزال غير معلنة”.
وأضافت المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هويتها، أن “حالات الإعدام وقعت الأسبوع الماضي، ونفذت بحق أشخاص من محافظات البصرة وكركوك ونينوى، وجاءت بموافقة من رئاسة الجمهورية”،
موضحة أن “سجن الحوت يواصل تنفيذ الإعدامات على الرغم من التوصيات البرلمانية والمطالبات الحزبية ومنظمات المجتمع المدني بضرورة التريث بتنفيذ أحكام الإعدام، بسبب وجود قانون العفو العام الذي يتيح إعادة التحقيق”.
وخلال الفترة التي سبقت إقرار قانون العفو العام، أقدمت إدارات بعض السجون العراقية، وأبرزها الحوت (الناصرية) والتاجي، في بغداد، على تنفيذ جملة إعدامات، من دون إعلانات رسمية، في طريقة تشي بوجود نهج جديد في التعامل مع ملف المحكومين بالإعدام، دون إحداث أي ضجة شعبية أو إعلامية، لكن تقارير لمنظمات حقوقية كشفت عن الحالات، إلا أن الحكومة العراقية ومؤسساتها المرتبطة بهذا الملف نفت ذلك.
ملف السجناء العراقيين
ويعتبر ملف السجناء العراقيين، خصوصاً المحكومين بالإعدام، والذين يتجاوز عددهم 17 ألف شخص، من أبرز القضايا التي شكّلت جدلاً سياسياً وشعبياً وإعلامياً واسعاً في البلاد خلال السنوات الماضية، إذ أدين معظمهم وفقاً لمعلومات “المخبر السري”، والاعترافات تحت الإكراه والتعذيب، بحسب منظمات حقوقية وإنسانية عراقية وأجنبية. وأدين أغلب المعدومين خلال فترة حكومتي نوري المالكي الأولى والثانية (2006-2014)، وفترة الحرب على تنظيم “داعش” (2014-2017).
وعلى مدار يومي الاثنين والثلاثاء، تواصل مراسلنا مع وزير العدل العراقي خالد شواني، والمتحدث باسم الوزارة أحمد لعيبي، إلا أنهما لم يردا على الأسئلة الموجهة بخصوص صحة الحديث عن استمرار إعدام المحكومين.
ويقع سجن “الحوت” في مدينة الناصرية، ضمن محافظة ذي قار، جنوبيّ العراق، ويضمّ نحو 40 ألف معتقل، وهو أكبر السجون العراقية بعد إغلاق سجن “أبو غريب”، ويصفه مراقبون بـ”صاحب الصيت السيئ”.
وكان المركز العراقي لتوثيق جرائم الحرب قد كشف في تقرير سابق له عن “وفاة نحو 50 معتقلاً نتيجة عمليات التعذيب والإهمال الطبي في السجون التابعة لحكومة بغداد”،
مشيرًا إلى أن عدّاد المتوفين لا يتوقف، وأنهم يتوفون بالعشرات في توقيتات متقاربة، وأغلبهم في سجن الناصرية المركزي.
حق إعادة التحقيق
في السياق، قال المحامي العراقي بهاء محمود إن “قانون العفو العام يوفر حق إعادة التحقيق مع المحكومين وفق المواد القانونية المشمولة بقانون العفو العام، وإن إخفاء هذا الحق بصيغة مقصودة يعتبر تجاوزاً على حقوق المحكوم”،
مبينا أن “الجهات القضائية والقانونية مسؤولة عن أي خرق يحصل في ملف الإعدام، ولا سيما أن المنظمات الدولية والحقوقية تراقب هذا الملف وتحاول منع أي انتهاكات جديدة قد تحصل فيه”.
وسبق أن أفادت مصادر حقوقية وأخرى من منظمات المجتمع المدني العراقية بأن “بلاغات وإفادات حصلت عليها المنظمات تكشف حالات الإعدام المفاجئ لعدد من السجناء خلال الأشهر الماضية، وأن ذوي المحكومين بالإعدام تلقوا اتصالات من إدارة السجن، وطالبوا بنقل جثامينهم إلى المقابر، وإجبارهم على توقيع تعهدات بعدم الكشف عن أي معلومات”.
وكان عضو البرلمان العراقي رعد الدهلكي قد اثار سابقاً ملف “التعذيب الممنهج” داخل “سجن الحوت”، جنوبي العراق، بعدما تحدث عمّا سماه “الإبادة الجماعية” داخل السجن، مؤكداً أن السجناء يفكرون بـ”الانتحار” للتخلص من التعذيب.
وأكد رئيس لجنة حقوق الإنسان البرلمانية النائب أرشد الصالحي أن “أي رئيس للوزراء لا يستطيع حلّ ملف السجون، على الرغم من أن العراق موقع على الاتفاقيات الدولية، وهو مساءَل أمام المجتمع عن الخروقات في سجونه، ونحن خلال زياراتنا للسجون حددنا الكثير من النقاط، لكن عند إثارة ذلك تقف قوى سياسية بوجهنا”.
وتعاني هذه السجون من إهمال كبير وغياب للدور الرقابي من قبل الجهات الحكومية والجهات المسؤولة عن حقوق الإنسان، في وقت يجري الحديث فيه عن سيطرة بعض الجهات السياسية على السجون.

