نشر : September 16 ,2016 | Time : 10:42 | ID 51871 |

الحشد الشعبي بوجهة نظر مسيحية؛ فتوى السید السيستاني ضمان اجتماعي وأخلاقي ووطني

خاص شفقنا-بيروت- فتوى قلبت كل الموازين وحققت تأثيرًا قويًّا في المجتمع العراقيّ الذي هبّ أبناؤه بمختلف طوائفهم للدفاع عن حياض الوطن وخوضِ معاركَ غيرت وجه التاريخ الذي أراد التكفيريون تدنيسه بأفعالهم المُشينة. فارتأينا في وكالة “شفقنا” الحديث مع عدة شخصيات دينيّة وإعلامية وسياسيّة مسيحية لها تأثيرٌ كبير في السّاحة اللّبنانيّة بغرض معرفة آرائهم في فتوى المرجعية العليا المتمثلة بالجهاد الكفائيّ وتشكيل الحشد الشعبي ومشاركة أبناء الطائفة المسيحيّة الكريمة فيه.7-best

تعدّدتِ الآراء والأفكار حول هذا الشأن إلا أنها اتفقت في أمرٍ أساسيّ وهو الإشادة بأداء الحشد الشعبيّ وبمشاركة أبناء الطائفة المسيحيّة ضمن المقاتلين في صفوفه.

قاشا: المشاركة في الحشد الشعبيّ واجبٌ مقدّس                                                                         

وفي هذا السّياق تحدّثنا إلى الأب العراقيّ سهيل قاشا الذي تعود أصوله إلى مدينة الموصل، والقاطن حاليًا في دير الصليب للراهبات ببرمّانا في لبنان، حول رأيه بفتوى تشكيل فصائل الحشد الشعبيّ، فأشاد بفتوى المرجعيّة الدينيّة، مباركًا كيان هذا الحشد الذي “يُعتَبَرُ الجيشُ الأولُ مع الجيش النظاميّ لدحر قِوى الظلم في المنطقة”.

واعتبر الأب قاشا أن مشاركة أبناء الطائفة المسيحية ضمن الحشد الشعبي لتحرير المناطق التي احتلتها داعش واجب مقدس، وأنه على المسلمين والمسيحيين الدفاع جنبًا إلى جنب عن العراق وتقدمه. فالدفاع عن الوطن لِزامٌ على كل إنسان عراقي مهما كان مذهبه أو قوّميته، “فكل شيءٍ يُمكن أن يعوَّض إلا الوطن”.

وحول الدور الذي لعبه الحشد الشعبي في حماية مسيحيي العراق، أكد الأب قاشا أن دور الحشد كان إيجابيًا في محاربة قوى الشر والحرص على الأمانة التي تتمثل بالحرص على الوطن وأهله من إسلام ومسيح وإيزدية وصابئة وغيرهم.

وأضاف في حديثه إلى أن العراق مر بظروفٍ صعبة واجتمعت عليه قوى كثيرة لمحاربته، ونحن اليومَ بأمس الحاجة لجمع الجهود لمقاومة هذه المؤامرة الكبيرة، مؤكدًا أن هذه القِوى لن تتمكّن من القضاء على العراق، لأنَّ العراقَ خالدٌ خلودَ دجلة والفرات.

أفرام: أي تنظيم يحارب الإرهاب ويؤمن بالتنوّع هو صديق وحليف                                                     

من جهته أكد رئيس الرابطة السريانية في لبنان حبيب أفرام أن ما يحمي مسيحيي الشرق في الأصل هي أوطانهم وحكوماتهم، أما في حال تفتت الدولة المركزية أو تقاعس الجيش الوطنيّ فسيصبح حق الدفاع عن الوجود حقًا مقدسًا معتبرًا أن أي تنظيم، سواء الحشد الشعبي أو غيره ممن يحارب الإرهاب ويؤمن بالتعدد والتنوع، صديقًا وحليفًا وله دورٌ إيجابيّ.

واعتبر أفرام أن بقاء المسيحيين في العراق بات مهددًا، ليس فقط من داعش وأخواتها، بل من كلِّ شريكٍ لا يؤمن بالمساواة والمواطنة وحقّ المكونات بأن تكون ذاتها وأن تتمثل في كل الحياة السياسية، مضيفًا أن بقاءهم في العراق يعود إلى إرادتهم في الصمود والمقاومة فإما أن يدافعوا عن حضورهم أو يفقدوا الأمل بمستقبل بلادهم ويهاجرون إلى أيّ وطنٍ بديل في غربٍ فيه حريّات وحقوق إنسان وإمكانيات لا يحدّها مذهبٌ أو دين أو قبيلة أو عدد.

وحول الاتهامات التي توجَّه إلى الحشد الشعبيّ قال أفرام أن الكل معمَّد بالدم، “في الحرب كلّنا نفقد إنسانيّتنا، و تتوالى المجازر والمذابح. لا أبرِّىء أحدًا، لا جيوش ولا تنظيمات، لكن لا شيء يوازي جرائم التكفيريين. ففي صميم عقولهم إلغاءُ الآخر لا تطويعه فقط. أسوأ ما في البشرية مَنْ يذبح السنيّ والشيعيّ والمسيحيّ والإيزيدي، معتقدًا أنه يمتلك كل الحقيقة وأن الجنة تنتظره مع حوريات إذا قتل مواطناً وأخًا له. إنه الجنون”.

وأضافَ أفرام: “نحن مسيحيو الشرق، لسنا مع سنّة أو شيعة، أو عرب أو كرد، ونحنُ ضدّ البعد الطائفي لأي صراع. ما يهمنا هو حضورنا ودورنا ومن يؤمن بدورنا. نحن مع نهضة فكرية نحو مواطنة ومساواة وحقوق إنسان لكل القوميات والإثنيّات والأديان والطوائف والمذاهب”.

مظلوم: ما أنزله داعش بالأقليات لا يقرُّهُ أيّ دين

وفي السياق أشار النائب البطريركيّ العامّ الأب سمير مظلوم إلى عدم وجود أسلوب الفتاوى في المسيحية، مؤكدًا احترامه للدين الإسلامي والوسائل التي تستعملها المرجعيات لإيصال تعاليمها وتوجيهاتها.

واعتبر الأب مظلوم أن مشاركة المسيحيين ضمن الحشد الشعبي لتحرير مدنهم واسترجاع أرضهم حقٌ لهم، ومن واجب الدولة العراقية أن تدافع عنهم وتؤمّن حياة كريمة لهم شأنهم شأن كل المواطنين.

وأضاف الأب مظلوم أن الحشد الشعبي تأسس لمساندة الجيش في وضع حدٍّ للإرهاب وهذا من حق أي شعب للدفاع عن نفسه، مؤكدًا في ذات الوقت أن للحروب والدفاع عن النفس شروط وقواعد يجب أن يتقيد بها الجميع كي لا يقعوا في الاٍرهاب الذي يريدون محاربته معتبرًا أن “مصلحة الشعب العراقي الشقيق تتطلب السعي الحثيث لوضع حد للحروب وإعادة بناء الدولة والمجتمع، ويبقى”أهل مكة أدرى بشعابها””.

واستنكر بدورهِ الاعتداء على المسيحيين وتشريدهم وقتلهم مؤكدًا أن المسيحين في العراق مواطنون أصليون وساهموا في العلم والحضارة وبناء الوطن والإنسان، مضيفًا أن “ما أنزله داعش بالمسيحيين وغيرهم من الأقليات في العراق وسوريا وغيرهما هو ظلمٌ لا يقرُّه أي دين أو ضمير.”

الفرزلي: الحشد الشعبيّ ألزمته الضرورة

السياسيّ ونائب رئيس مجلس النوّاب الأسبق إيلي الفرزليّ رأى أنَّ “الوضعَ المسيحيّ في العراق الآن يعدُّ وضعًا عاجزًا وقد دفع المسيحيّون الثمن نظرًا لقلّة أعدادهم”.

وإذ لم يستبعد الوزير المخضرم وقوعَ الحشد الشعبيّ بأخطاء أثناءَ هذه المسيرة، إلّا أنه اعتبرها أخطاء فردية ولم تكن لتصدر بقرارٍ عامّ، مشدّدًا على أن تأسيس الحشد الشعبيّ ألزمته الضرورة لإخراج العراق من براثن داعش الإرهابيّة، مؤكدًا أن مشاركة المسيحيين ضمن الحشد الشعبي يعدّ واجبًا عليهم وحقًا لهم في الدفاع المشروع عن أرضهم.

ورأى الفرزلي أنّ النظرة الشاملة هي نظرة تشاؤمية بالنسبة لوجود المسيحيين في العراق وبقائهم الذي باتَ مهددًا بسبب غياب من كان عليه أن يسلّحهم أو يهيّئهم للصمود. وعلى الرغم من وصول المساعدات من الجيش والدولة فيما بعد إلا أنها أتت متأخرة وكان ما جرى قد جرى.

حرب: فتوى السيستاني ضمانٌ اجتماعيٌّ وأخلاقيٌّ ووطنيّ                                                                

من جهته اعتبر المؤرخ والقياديّ في التيار الوطنيّ الحرّ الدكتور أنطوان خوري حرب أن تنظيم داعش الارهابي بحاجة لمجابهة شعبية تقف إلى جانب المجابهة الرسمية المتمثّلة بالأجهزة الأمنية لمكافحة الإرهاب، مؤكدًا أن “فتوى سماحة السيد آية الله علي السيستاني كانت الضمان الاجتماعي والأخلاقي والوطني لحشد وتجميع كل مقومات المجتمع العراقي لمواجهة حالة الإرهاب.”

وفي الوقت الذي أشار فيه حرب إلى أن الصبغة الطائفية التي تصبغ الحشد الشعبيّ قد تضرّ الحشد الشعبيّ نفسه وقد تمنع الإقبال الكثيف من أبناء الطوائف والمذاهب الأخرى، إلا أنه أكد على ضرورة مشاركة أبناء الطائفة المسيحية ضمن الحشد الشعبيّ وكلّ التشكيلات التي تواجه الإرهاب معتبرًا أن “المسيحيين هم أبناء المجتمع العراقي وبالتالي فهموم الدولة العراقية والمجتمع العراقي هي هموم مشتركة معهم”، مضيفًا أن الجبهة المقاتلة للمنظّمات الإرهابيّة يجب أن تكون جبهة وطنيّة بالكامل غير منحصرة بطائفة معيّنة أو أتباع مذهب معيّن، فالتماهي الوطنيّ بين الطوائف العراقيّة مطلوب لمواجهة تنظيم داعش بحالة وطنيّة لا بحالة طائفيّة.

وأضاف حرب أن “المشاركة المسيحية ضمن الحشد الشعبيّ تعدُّ مشاركةً خجولة لا تتناسب مع دور وحجم المسيحيين في العراق، داعيًا إلى إقبالٍ أكبر من أبناء الطائفة المسيحية للمشاركة في هذا الحشد الشعبي.”

مونّس: داعش أساء للعالم أجمع                                                                                             

كما وتحدّثنا واستمزجنا رأي البروفيسّور الأب يوسف مونّس الذي قال: “أنا بالأساس أحترم أيّ فتوى وأقدرها لأنها تعطي مستوىً أخلاقيًا ومرجعية للسلوك بين الناس، لكننّي بالمطلق ضد تدخل رجال الدين بالشأن العامّ. أنا مع فصل الدين عن الدولة، ولا أقصد بذلك الإلحاد، بل أعني فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينيّة كليًا”.

وأضاف الأب مونس أن داعش لم يسئ للمسيحيين فحسب، بل أساء للحضارة الإسلامية كذلك وللعالم أجمع مؤكدًا أنه يؤيد مشاركة المسيحيين ضمن الحشد الشعبي في هذا التحرير خاصّة أن المسيحيين هم أساس هذا الشرق وساهموا ببناء الحضارات مع المسلمين.

علَم: الاتهامات التي توجهُ إلى الحشد الشعبيّ اتهاماتٌ إعلاميّة                                                         

وكان للإعلاميّ والمحلّل السياسيّ ومدير مكتب الخدمات الإعلاميّة في بيروت جورج علَم وجهة نظر حول هذا الموضوع، إذ اعتبر أن الاتهامات التي توجهُ إلى الحشد الشعبيّ ما هيَ إلّا اتهاماتٌ سياسيّة إعلاميّة وقد لا تتطابق مع الواقع مؤكدًا أنه على كل مواطن عراقيّ سواء كان سنيًا أم شيعيًا أم مسيحيًا تلبية الواجب الوطني في استعادة التراث العراقيّ من أيِّ احتلالٍ داعشيّ أو إرهابيّ فالعمل الوطنيّ يستدعي الخروج من العباءة الطائفية والمذهبية إلى العباءة الوطنية داعيًا إلى الابتعاد عن أي تطييف أو تسييس لأي حِراك على المستوى الوطنيّ.

إذًا هذه الفتوى لم تكن نداءً دينيًا وعسكريًا فحسب بل كانت نداءً إنسانيًا لاستنهاض همم كافة أبناء العراق من مسلمين ومسيحيين وإيزديين للدفاع عن الوطن وأهله، فالحشد الشعبيّ قطع الطريق أمام من يحاول مذهَبَته. ويقولُ مراقبون إنّ الأحداث الميدانية أثبتت أنه حشدٌ وطنيٌّ ضمّ كافّة فئات المجتمع العراقيّ الذي نهض بعد فتوى المرجعيّة للدفاع عن العراق. وبالرغم من بعض التباينات في وجهات النظر إلا أن جميع الآراء اتفقت على ضرورة مشاركة المسيحيين في الدفاع عن أرضهم وعرضهم ووطنهم. ويبقى السؤال: ما كانَ سيحلّ بالعراق إن لم يتكاتف أبناؤه ضد هؤلاء المتأسلمين؟ ألم تكن هذه الفتوى صمّام الأمان للمجتمع العراقيّ في وجه سرطان الإرهاب؟

زينب الحكيم

www.iraq.shafaqna.com/ انتها