نشر : August 27 ,2016 | Time : 09:44 | ID 49587 |

هل تعلم أن المرجعية الدينية العليا؟ (‎٤)

شفقنا العراق-كان للمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف الدور الرئيسي الكبير والمهم في سدّ الفراغ الشامل السياسي والقانوني والاجتماعي والاقتصادي وغيره الذي أحدثه تغيير النظام السابق عام 2003، واحتلال العراق من قبل القوات الأجنبية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.

فأسّست المرجعية الدينية العليا الأسس الكبرى الكفيلة لضمان الاستقلال والسيادة للشعب العراقي، من خلال رفضها للاحتلال الأجنبي، وإصرارها على دستور يكتب بأيدي عراقيّة، وحثّها لإجراء انتخابات دستوريّة تضمن حق مشاركة الشعب بكل أطيافه، في صنع القرار واختيار شكل نظام السياسي لهم.

فبرعايتها الأبويّة ومواكبتها لمسيرة التحوّل الكبير، نرى المرجعيّة قد تركت بصمة (موقف منها) شمل كل مرفق من مرافق الحياة المتنوعة للمجتمع العراقي.

وهو دور عظيم قامت به يندر معه دور أي جهة أو طرف، ممكن يخطر على ذي بال. ولأنّ البعض في الداخل العراقي وفي الخارج، لم تعجبه مواقف المرجعيّة لأنها أضرّت بمصالحه السياسيّة، والحزبيّة والقوميّة والفئويّة والطائفيّة، فشنّ حرباً ظالمة عليها، من خلال حملة الافتراءات والتقولات والبيانات الكاذبة عليها، مسخّراً إمكانياته السياسيّة والماليّة والفكريّة والإعلامية، وكان يهدف من ورائها تشويه سمعتها، وللحدّ من مواقفها الوطنيّة والأخلاقية، ولإبعاد الجمهور العراقي وحرفه عنها، ولإرباك الواقع السياسي الجديد.

ولأجل إزالة الغبار الذي علق على بعض مواقف المرجعيّة المشرّفة جرّاء الحملة المضادة، وإزالة الغشاوة عن أعين الكثيرين ممّن عشوا عن رؤيتها، آثرنا أن نطرح جملة من مواقفها البيّنة، التي حفلت بها أخطر حقبة مرّت على العراق وشعبه، وهي بدايات المرحلة الجديدة التي اعقبت التغيير، وخصوصاً عام 2004، على شكل حلقات مرقّمة، تحمل عنوان: “هل تعلم أن المرجعية الدينية العليا”، امتناناً وتثميناً وعرفاناً لكل موقف صغُر أم كبر، صدر من المرجعيّة الدينيّة العليا المتمثلة بسماحة المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله الوارف.

– هل تعلم أن المرجعية الدينية العليا كانت قد كشفت عن دورها الأساسي في الأمّة الإسلاميّة عموماً، والشعب العراقي خصوصاً، وبينت طبيعة أدائها على نحو التكليف الشرعي، بعد سقوط النظام عام 2003. حيث أوضحت للجميع أنها معنيّة بتزويدهم بالفتاوى الشرعية في مختلف نواحي الحياة، بما في ذلك الشأن السياسي الذي أشكل عليه الكثيرون وعارضوه. وكذلك السعي في ترويج الدين الإسلامي، ورعاية الحقوق العامة وعدم التجاوز عليها.

ورد تفصيل ذلك إثر سؤال تقدمت به جريدة الزمان العراقية الى مكتب سماحته في 17/ج2/1424هـ , من عام 2004: “كيف تصفون دور المرجعية في العراق وفي العالم الاسلامي”؟

فكان الجواب: “الدور الأساس للمرجعية الدينية هو تزويد المؤمنين بالفتاوى الشرعية في مختلف نواحي الحياة، والسعي في ترويج الدين الحنيف على نهج أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، بما يشتمل عليه من مكارم الأخلاق ورعاية حقوق الآخرين وعدم التجاوز عليها”.

– هل تعلم أن المرجعية الدينية العليا قد رفضت مستهجنة ما دار على الألسن وجرى، من توصيف ثنائي للحوزة العلمية في النجف الأشرف وفرّقت بين حوزة ناطقة وأخرى صامتة، بعد احتلال العراق عام 2003، وبادرت الى تصحيح الخلل الحاصل برفد الأمّة بالمعيار الذي تناساه البعض، والذي درجت عليه المرجعيّةـالحوزة مذ انبثاقها وللآن، وهو أن المصلحة الدينيّة ومقتضياتها هي التي تجعل الحوزة تنطق أو تصمت وليس شيء آخر.

تضمّن ذلك ردّ سماحة السيد السيستاني على سؤال صحيفة لوس أنجلوس تايمز عام 2004 الذي يقول: “هل هنالك أشخاص يدّعون تمثيلهم الحوزة العلمية الناطقة؟ ومن هم هؤلاء؟ وهل هم من الطوائف الأخرى؟ من خارج العراق”؟

فكان الجواب: “الحوزة العلمية ممثلة بمراجعها العظام، تنطق أو تصمت وفق مقتضيات المصلحة الدينية، ولا نعرف معظم المشار إليهم في السؤال ولا خططهم ولا أهدافهم ولا مصادر دعمهم في الداخل والخارج”.

– هل تعلم أن المرجعية الدينية العليا هي الجهة الأولى التي سارعت الى إزالة التشويه والتشويش الذي شاب وظيفة رجل الدين أو طالب الحوزة العلميّة بعد عام 2003، وبيّنت مهام وظيفة رجل الدين في هذا الزمن كما في سائر الأزمان. منها ترويج الشرع الحنيف واحكامه، وتعليم الجاهلين ونصح المؤمنين ممّا يعود إلى إصلاح دينهم وتكميل نفوسهم. ولم تغفل المرجعيّة تأكيدها المتكرر بأن لا شأن لرجل الدين بالأمور الإدارية (التنفيذية-السياسية) ونحوها.

ذلك مضمون السؤال الذي ورد في عام 2004  الى مكتب السيد السيستاني في النجف الأشرف: “ما هي وظيفة طلبة الحوزة العلمية في الظرف الراهن”؟

فكان الجواب: “وظيفتهم في هذا الزمان كما في (سائر الأزمنة) فيما يتعلق بالمجتمع هي السعي في ترويج الشرع الحنيف، ونشر أحكامه، وتعليم الجاهلين، ونصح المؤمنين ووعظهم وإصلاح ذات بينهم ونحو ذلك، مما يرجع إلى إصلاح دينهم وتكميل نفوسهم، ولا شأن لهم بالأمور الادارية ونحوها”.

هل تعلم أن المرجعية الدينية العليا  قد تصدّت بقوّة وأفشلت المخطط المشبوه الذي لهج به الكثيرين من المغرضين، والداعي لأن تكون الحوزة العلمية في النجف الأشرف عربية، والمرجعية عراقية بعد اسقاط النظام، حين علت الأصوات النّشاز من خلال الأبواق المأجورة وهي تدعو جهاراً وبلا حياء المرجع السيستاني بشخصه، لأن يغادر النجف بدعوة أنه غير عربي، وهو ذات النهج الذي تبنّاه نظام البعث المقبور سابقاً وفشل فشلاً ذريعاً.

ولكن حكمة وأبوّة المرجعيّة المتمثلة بشخص السيد السيستاني كانت قد طرحت للأمّة المعادلة القويمة التي بها حفظ كيان الحوزة على مرّ التاريخ المرير، وجرت عليها سيرة المراجع العظام، حيث أنّ المناط في الأمر ليست القومية ولا الجنسية  للحوزة أو للمرجع، وإنما هي الأهلية العلمية التي تؤهل ذات المرجع دون غيره لمقام المرجعيّة.

فقد سألت وكالة رويترز عام 2004 سؤالها الجريء التالي ووجهته الى مكتب سماحة السيد السيستاني: “كانت هناك ضغوط على السيد السيستاني لمغادرة النجف لكنها لم تفلح، ما رأيكم في الدعوة إلى عراقية الحوزة، وإلى أيّ حد يمكن أن تقيد مثل هذه الدعوات من عالمية الحوزة في النجف”؟

فكان الجواب: “الحوزة العلمية في النجف الأشرف مفتوحة للجميع ويبرز فيها من هو أكثر أهليّة من الآخرين بغض النظر عن قوميته وجنسيته. وكان النظام السابق يسعى إلى أن تكون الحوزة عربية والمرجعية عراقية ولكنه فشل في تحقيق ذلك”.

هل تعلم أن المرجعية الدينية العليا هي أول جهة بدّدت مخاوف وهواجس الأقليات في العراق وطمأنتهم بأن لا لوجود لحكومة دينية في عراق ما بعد عام 2003، وأن القوى السياسية والاجتماعية والحوزويّة تسعى لإقامة نظام يحترم الثوابت الدينية للعراقيين ويعتمد مبدأ التعددية (الأغلبية السياسية) بما يحقق العدالة والمساواة بين جميع مكونات الشعب العراقي.

كان ذلك من خلال سؤال توجهت به مجلة دير شبيغل الألمانية لمكتب سماحته في ــ 24 ذي الحجة ــ  1424: “هناك من يتخوف من إقامة حكم ديني يحرم الأقليات من بعض حقوقها في ضوء تصريحات متطرفة من قبل البعض، والاعتداءات على حياة وممتلكات عراقيين من طوائف مختلفة من دون مبرر، فهل هناك ما يبرر تلك المخاوف أم سيبقى كل شيء كما هو الآن بالنسبة للمسيحيين والطوائف الأخرى”؟

فكان الجواب “إن القوى السياسية والاجتماعية الرئيسة في العراق لا تدعو إلى قيام حكومة دينية، بل إلى نظام يحترم الثوابت الدينية للعراقيين ويعتمد مبدأ التعددية والعدالة والمساواة كما مرّ، وقد سبق للمرجعية الدينية أن أوضحت أنها ليست معنيّة بتصدي الحوزة العلمية لممارسة العمل السياسي، وأنها ترتئي لعلماء الدين أن ينأوا بأنفسهم عن تسلّم المناصب الحكومية”.

هل تعلم أن المرجعية الدينية العليا كانت السباقة في رد ادعاءات وتقولات ممن ينتحلون عناوين ومسمّيات قريبة من سماحته كـ “ممثل أو مساعد أو وكيل”، مستغليّن هشاشة الوضع العام الذي عليه العراق بعد عام 2003.

وأعلنت المرجعيّة أنّ هؤلاء لا يعبّرون إلاّ عن وجهات أنظارهم هم، كما وأفاضت على الأمة بالضابطة التي تمكنها من التواصل مع المرجعية وارشاداتها ونصائحها بشكل أمين وصادق، وأن كل ما يصدر من المرجعيّة يصدر موقّعاً ومختوماً بختمه الشريف أو مكتوباً ومختوماً بختم مكتبه الخاص به.

كان ذلك ضمن استفتاء تقدّم به جمع من المؤمنين في 20/ 8 /1424: ” تنشر وسائل الإعلام المختلفة بين الحين والآخر تصريحات سياسية لأشخاص تطلق عليهم عناوين متفاوتة كـ “ممثل السيد السيستاني” و”مساعده” و”وكيله” و”المقرب إليه” وما يشبه ذلك. ويتساءل المؤمنون هل أن هذه التصريحات تعبّر -بوجه- عن آراء سماحة السيد مدّ ظله أو لا؟

والجواب كان: “بسمه تعالى : لا يعبّر عن وجهات نظر سماحة السيد مدّ ظله إلاّ ما يصدر موقّعاً ومختوماً بختمه الشريف، أو مكتوباً ومختوماً بختم مكتبه دام ظله ، وأما ما عدا ذلك فإنما هي وجهات أنظار أصحابها”.

نجاح بيعي/ کتابات فی المیزان

www.iraq.shafaqna.com/ انتها