نشر : May 31 ,2016 | Time : 09:45 | ID 38232 |

محاولة في فهم السيد السيستاني (4)

شفقنا العراق – قبل أن يمكن أن نسأل السيّد السيستاني دام ظله عن ما هي المهام التي يَنوطها بوظيفة المرجعية؟ وما مقدار التميّز الذي تمتلكه المرجعية الدينية العليا عن غيرها؟ لا بُدَّ أن نضع تأريخ المرجعية الدينية العليا تحت الناظر، ونحاول قراءتها بالمقدار البسيط المرتبط بالبحث.

تأريخ مختصر للمرجعية العليا

إختَلَف المؤرخون في الشأن الحوزوي بتوقيت “متى؟” أصبح موقع (المرجع الاعلى) موجوداً، فقد قال البعض إن هذا المنصب موجودً منذ زمن السفراء (رض)، مستدلين بوجود الوكلاء، وبعدها وجود فقهاء لهم سطوة على جميع شيعة (العالَم) حينها، أي الشيخ المفيد (وفاة 1022 م) ثم الشريف المرتضى (وفاة 1044 م) ومن ثم الشيخ الطوسي “مؤسس حوزة النجف” (وفاة 1067 م) [1].

فيما جَنَح آخرون – مِن خارج البيئة الحوزوية – إلى كون هذا المنصب وليد (الحداثة)، مستدلين بان كثيراً من ممارسات “العالمية” التي يضطلعها مرجع أعلى لكل الشيعة في شرق المعمورة وغربها، ما كانت لتتفق في رجلٍ واحد لولا أساليب التواصل والنقل الحديثة [2] .

وبأي حالٍ، فالظاهر إنّ التشيع أصيب بفترة طويلة من (المرجعّيات المحلية) بعد الشيخ الطوسي – أي التي تكون دائرة تأثيرها منغلقة بجغرافية معينة –، حتى أتى زمن طلاب الوحيد البهبهاني (وفاة 1792 م)، أمثال السيّد محمد مهدي بحر العلوم، والشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء، الذين أصبحت لزعاماتهم المتتالية موارد دَخل مالي وتأثير إجتماعي خارج العراق.

وصادفه، أن بدأ الصراع الكبير داخل المؤسسة الفقهية الشيعية بين الأخباريين والأصوليين بالإنقشاع [3]، مع تأسيس الوحيد البهبهاني للمنهج الثاني تأسيساً عِلمَّياً رصيناً، وتَمَكُن الشيخ جعفر كاشف الغطاء – المرجع الأعلى في زمانه – مِن الأخباريين إجتماعيَّاً، ومن ثم أتى مرجع أعلى أخر، هو الشيخ مرتضى الأنصاري، وكتب مدونَّات في المنهج الأصولي، أصبحت تُدرَّس بصورة “مُنَّظمة” Systemic لطلبة العلوم الدينية.

وكانت ثمرة إنتصار المنهج الأصولي الإجتهادي توَّسُع عقلية (تقليد الفقيه) وإتباع فتاواه بكل شيء، حتى وجدنا أن الميرزا الشيرازي سنة 1891 – المرجع الأعلى في زمانه – إستطاع تأجيج ثورة عارمة في إيران من مكان إقامته في العراق بفتوى واحدة، وإستمر هذا النسق، الذي تضخم به حق الفقيه بالإفتاء بواسطة الرأي الأصولي الشائع، والقائل بضرورة رجوع عامة الناس إلى فقيهٍ #‏واحد “أعلَم” في الفتوى والحقوق المالية، ويمكن إستقراؤه في فتوى الشيخ الشيرازي بإنتفاضة العراقيين سنة 1920، وفتوى السيّد الحكيم لإسقاط النظام الشيوعي سنة 1963، وفتوى السيّد السيستاني بالجهاد “الكفائي” ضد داعش سنة 2014.

هذا النسق، أي وجود مرجع واحد لغالبية الشيعة في العالَم، هو الذي يصطلح عليه بمفردة “المرجع الأعلى”.

يبقى أن نؤكد على أن “المرجعية العليا” هي “درجة” أكثر منها “دور”، بمعنى: أن المرجع (أ) قد يُشخِص الأحداث والوقائع بصورة معينة في حال صارَ مرجع أعلى، تختلف عن المرجع (ب)، في حال صار (ب) مرجع أعلى، ولهذا يجب ألا نخلط ونجعل الدورَ الذي قد يختطه أحد المراجع لنفسه كـ”ضرورة وظيفية” لكل مرجع أعلى، ويمكن توضيح ذلك بمثال بسيط، فالمرجع الأعلى للطائفة حتى سنة 1329 م وهو الآخوند محمد كاظم الخرساني، كان من دُعاة “المشروطة” – حركة إيرانية دعت لتقليل صلاحيات الشاه وتأسيس مجلس شورى – وأكثَر من التدخل بالشؤون السياسية طِبقاً لذلك، بينما المرجع الأعلى للطائفة لاحقاً حتى سنة 1337 م، وهو السيّد محمد كاظم اليزدي، كان من أعداء “المشروطة”.

وهذا يجعل السؤال: ما هو الدور الذي يراه السيّد السيستاني للمرجع الأعلى للطائفة؟ سؤالاً أكثر مشروعية، ولكن قبل ذلك، لا بُدَّ من تصميغٍ ذهني للواقع الشيعي، نمارسه في الحلقة القادمة.

——————

[1] حسن عيسى الحكيم، مدرسة بغداد العلمية وأثرها في الفكر الإمامي من سنة 150 هـ الى 656 هــ، الصفحة 369 فما فوق.

[2] مهدي خَلجي، مستقبل المرجعية، مؤسسة واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، رابط:http://www.washingtoninstitute.org/…/the-future-of-the-marj…

[3] يمكن – بصورة غير تخصصية – أن نُعرِّف الأخبارية كمنهج في إستنباط الدين يقلل من إجتهادات الفقيه إلى درجة كبيرة، فيما الأصولية منهج أخر يعتمد أصولاً عقلية تُزَّيد (إلى درجةٍ ما) من قدرة الفقيه على الإجتهاد، والإختلاف الأكبر بين الطرفين هو في (مبحث الإجتهاد) الذي تتفرع عنه مسألة التقليد، التي سبق لنا إيضاح شيء من أهميتها في ركن (الإفتاء) من مهام (المرجع الأعلى) في الحلقة السابقة، وسنرجع لها لاحقاً.

 يتبع ….

بقلم: عبد السلام آل بوحية

 

www.iraq.shafaqna.com/ انتها