شفقنا العراق-ترجمة-تناول معهد “كوينسي” الأميركي، في مقال لـ”بول أر. بيلار”، دلالات وتداعيات المفاوضات السعودية-الإيرانية في بغداد والتي يمكن أن تشكل انفراجة في أوضاع المنطقة وتساهم في تخفيف التوترات واستقرار الأوضاع وإنهاء فتيل الحروب.
بعد التقدم الذي تحقق في مفاوضات إحياء الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) بين إيران ومجموعة خمسة زائد واحد، كان بدء مفاوضات مشتركة بين إيران والمملكة العربية السعودية في العاصمة العراقية دلالة أخرى تشير إلى إمكانية تحقيق سلام أكبر في منطقة الخليج الفارسي.
ويمكن اعتبار عدم اعتراف أي من هاتين الحكومتين- رسميًا- بوجود المحادثات، مؤشرًا مشجعًا على أن كلا الجانبين يأخذها على محمل الجد ويريدان التقليل من إمكانية مبادرة بعض الأطراف الإقليمية أو الداخلية بتعطيلها.
إن إمكانية تحقيق الانفراج في منطقة الخليج تصب في مصلحة جميع الدول التي لها مصلحة في المنطقة، بما في ذلك الطرفان الرئيسيان -السعودية وإيران-. وهناك حقيقة أساسية كامنة يجب أخذها بنظر الاعتبار، فلا إيران ولا السعودية ستزولان من المنطقة بغض النظر عن مقدار الضغط أو الترهيب الذي قد يحاول أي منهما تطبيقه على الآخر. وبالتالي، يتعين على كلا النظامين – من أجل أمن وازدهار مواطنيهما – إيجاد طرق لتقاسم الجوار بسلام.
لقد أدرك كلا النظامين هذه الحقيقة في الماضي وعملوا على أساسها في بعض الأحيان، ومنه ما حدث في عام 1999، عندما التقى الرئيس الإيراني محمد خاتمي، الملك عبد الله، وجهاً لوجه عندما كان يومها وليًا للعهد.
كمنتجين رئيسيين للنفط، تشترك إيران والمملكة العربية السعودية في مصلحة تأمين تجارة النفط، وهو أمر ضروري لاقتصاديات البلدين. وفي ظل ما تواجهه المملكة العربية السعودية من ضغوط مالية متزايدة في السنوات الأخيرة، من المحتمل أن تكون دوافعها الاقتصادية فيما يتعلق بالنفط، أكثر تشابهًا مع دوافع إيران التي طالما ركزت نسبيًا على تعظيم إيراداتها بدلاً من إبقاء أسعار النفط منخفضة بهدف تثبيط مستهلكي النفط من التحول إلى مصادر بديلة للطاقة.
كذلك فإن الحكومة العراقية التي قيل إنها عملت كوسيط للمفاوضات، لديها مصالحها الخاصة في تخفيف التوترات بين إيران والمملكة العربية السعودية. فبغداد بحاجة إلى التوافق بشكل جيد مع كل من جيرانها لأسباب متنوعة، فهي تدرك جيدًا أن صادراتها النفطية يمكن أن تتضرر إذا اندلعت أي مواجهة في الخليج. وكلما كانت الأمور بين إيران والمملكة العربية السعودية أكثر هدوءًا، فإن الأمر يصبح أسهل بالنسبة للعراق. وينطبق ذلك، من حيث وجود حوافز مماثلة، على دول أخرى في المنطقة، وخاصة عُمان والكويت، التي ساعدت في أوقات مختلفة على التوسط بين إيران وخصومها.
أما الأهم أمريكيًا، فإن الانفراجة السعودية-الإيرانية تصب في مصلحة الولايات المتحدة. فكل ما من شأنه تقليل التوتر وخطر الحرب في هذا الجزء من العالم، سيساهم أيضًا في الحد من خطر ظهور “التطرف” الذي قد يضر بمصالح الولايات المتحدة. كما أنه يقلل من الحاجة المتصورة لعمليات الانتشار العسكرية الأمريكية أو الالتزامات المكلفة الأخرى التي تم التعهد بها باسم حماية أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة.
لقد أدى إدمان الولايات المتحدة بهوس المواجهة مع إيران إلى تجاهل حقيقة مهمة، وهي أننا إذا دققنا التفاصيل والأسباب التي جعلت من إيران تهديدًا، لاتضح بأنها تكاد تكون ظاهرة إقليمية بالكامل. فالتهديد المزعوم الذي تشكله إيران، هو لجيرانها أو للقوات الأمريكية المنتشرة لحماية هؤلاء الجيران. فكلما كانت العلاقات بين إيران وجيرانها أكثر هدوءًا، تراجع حجم التهديد وكذلك الحاجة إلى رد الولايات المتحدة عليه بالغالب.
وإيران التي تعاني من عزلة دولية، لديها رغبة أقوى في علاقات أفضل مع دول الخليج. وقد اقترح الرئيس الإيراني حسن روحاني إطارًا متعدد الأطراف لتعزيز السلام والأمن في الخليج، وهي صيغة متوافقة تمامًا مع الجهود الثنائية للحد من التوتر مع المملكة العربية السعودية.
لكن المتغير في هذه المعادلة هو المملكة العربية السعودية. فالرياض كان لديها عدة أسباب للحفاظ على حالة المواجهة مع إيران. كان أحدها الخوف من أن تقوم إيران بتأجيج الاضطرابات بين شيعة الخليج – وهو خوف كان أكبر في وقت سابق من تاريخ الجمهورية الإسلامية- على الأقل فيما يتعلق بالأغلبية الشيعية المضطهدة في البحرين. وفي وقت لاحق، جعل ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي، محمد بن سلمان، من هذه المواجهة إطارًا لتأكيد النفوذ الإقليمي السعودي، كما أراد أن يصنع لنفسه اسمًا يعزز به حكمه لا سيما عبر الحرب في اليمن.
لربما كان الحافز الأكبر للموقف السعودي ضد إيران هو استخدام المواجهة معها كأساس لكسب ود الولايات المتحدة، ليس فقط لتأمين إمدادها الثابت بالأسلحة ولكن أيضًا لتتجاهل أمريكا، الممارسات المرفوضة للنظام السعودي الذي يعتبر دكتاتورية تنتهك حقوق الإنسان. وفي كثير من الأحيان كنت واشنطن سعيدة باللعب على هذا الحبل. وقد بلغ الأمر هذا إلى أقصى حد في ظل إدارة ترامب، مما أدى إلى تأجيج العداء تجاه إيران، حتى أنه تجاوز إطار المخاوف الخليجية من إيران.
لكن في الآونة الأخيرة ، بات لدى محمد بن سلمان أسباب وجيهة لإعادة النظر بهذه الاستراتيجية. فالحرب اليمنية تحولت إلى مستنقع مكلف، كما ظهرت خلال العامين الماضيين، أحداث -مثل هجوم صاروخي دقيق وطائرات بدون طيار على منشآت نفطية سعودية مهمة في سبتمبر 2019 – كانت بمثابة مؤشر حقيقي على مدى الضرر الذي قد يلحقه تصعيد المواجهة بالاقتصاد السعودي.
ومع تغيير الإدارة في البيت الأبيض، أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة لم تعد تضع على رأس أولوياتها في الشرق الأوسط، عداءً لا نهاية له تجاه إيران، كما أنها قد تبدأ بالرد على ممارسات النظام السعودي المرفوضة.
في طريقهما نحو تحقيق الانفراج، سيتعين على الرياض وطهران صد المخربين، بما في ذلك ربما المتشددين داخل أنظمتهما. المخرب الخارجي الأكبر هو الحكومة اليمينية في إسرائيل. يتضح ذلك من عملياتها التخريبية التي نفذتها لعرقلة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي، مع أنها تصب في صالح أمن إسرائيل.
لدى حكومة نتنياهو أسباب أخرى للدعاية اللانهائية ضد إيران والحديث عما تشكله من خطر، بما في ذلك:
- منع أي انفراج أميركي-إيراني للحفاظ على موقف إسرائيل باعتبارها الصديق الحقيقي الوحيد لأمريكا في الشرق الأوسط
- إضعاف وعزل منافس من أجل النفوذ الإقليمي
- تشتيت الانتباه الدولي عن احتلالها للأراضي الفلسطينية وممارساتها الأخرى التي تستدعي مثل هذا الاهتمام.
ويتعارض مع هذه الاستراتيجية أي انفراج محتمل بين إيران والسعودية أو مع أي من دول الخليج العربية، وسيفعل نتنياهو ما بوسعه لنسفه. ولتحقيق هذا الهدف ستستخدم إسرائيل علاقاتها المطورة حديثًا مع البحرين والإمارات العربية المتحدة، وكذلك علاقاتها الواسعة مع الرياض نفسها.
لا يمكن استبعاد الأعمال الإسرائيلية، أكثر عدوانية، على غرار ما نفذته لعرقلة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي، مثل هجمات مجهولة محتملة على منشآت أو مصالح إيرانية في دول الخليج.
سيتعين على الرئيس الأمريكي جو بايدن ألا يواجه فقط الحكومة الإسرائيلية ولكن أن يتصدى أيضًا المتشددين الأمريكيين الذين سيعارضون أيضًا أي تخفيف للتوترات مع إيران. ربما يدرك المسؤولون في الإدارة الأمريكية أن أي تخفيف للتوترات بين الرياض وطهران سيحسن من احتمالات نجاح المفاوضات التي ستلحق خطة العمل الشاملة المشتركة التي تتناول قضايا أخرى تتعلق بإيران.
بول أر. بيلار/ معهد كوينسي
————————–
المقالات المنشورة بأسماء أصحابها تعبر عن وجهة نظرهم ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع
————————–
* بول أر. بيلار هو باحث غير مقيم بمركز الدراسات الأمنية بجامعة جورجتاون وباحث غير مقيم في السياسة الخارجية بمؤسسة “بروكينجز.” وهو محرر مساهم في “ذا ناشيونال إنترست،” حيث يكتب تدوينات. تقاعد سنة 2005 بعد 28 سنة من الخدمة في الأجهزة الأمنية الأميركية المختلفة، وبينها الاستخبارات المركزية ومجلس الاستخبارات الوطني. وهو كان قبل تقاعده ضابط الاستخبارات الوطني للشرق الأدنى وجنوب آسيا

