خاص شفقنا- بيروت “-لبناء الشخصية لابد أن يكون هناك منهج وقدوة، ولا شك أن الصراع العالمي اليوم بيننا وبين التقاليد والاعراف والعادات من مختلف الحضارات والشعوب هو قائم على التسابق بين النماذج الثقافية، فإظهار النموذج يحتاج إلى جهد وتوعية ثقافية”، ولأن السيدة زينب “ع” بنت الإمام علي والسيدة فاطمة عليهما السلام ملأت الدنيا بأحداثها ومواقفها، فكانت كالجبل، استحقت بكل جدارة أن تكون نوراً ومعلَماً وهداية لكل الناس وخصوصا للمجتمع النسوي”. كلمات افتتح بها الشيخ الدكتور محمد حجازي الندوة التي أقيمت في المركز الاستشاري في حارة حريك في بيروت تحت عنوان “بناء الذات الإنسانية عند السيدة زينب “ع”.
ويقول سماحته، لقد أعطت الوسائل الاعلامية – بمعزل عن منافعها ومضارها – صوراً كثيرة واظهرت شخصيات لا تُعدّ ولا تحصى بأن يتخذها المرء قدوة له، بحيث حلّ نوع من التخمة والفائض الكبير على مستوى اتخاذ النموذج والقدوة الصالحين، إنما تقصيرنا في زماننا، يعود الى اظهار القدوة لبناتنا ونسائنا وزيادة مستوى الوعي”.
ويضيف الشيخ حجازي: “لقد استطاع صانعو التكنولوجيا أن يعطوا جرعات عالية من أهدافهم وثقافتهم، ولكن الخطورة تكمن في ايصال رسائل خطيرة بمجتمعنا العربي والاسلامي، خصوصا شبكات التواصل الاجتماعي التي لا تفارقنا اليوم، هذه التقنيات استطاعت ان تتسلل إلينا وأن تُدخِل لنا تُخمة من المفاهيم منها الصالح ومنها غير الصالح، وواحدة منها هي اختيار النموذج والقدوة، فخرجت الأمور من أيدينا، إلا ان المطلوب منا اليوم هو تقوية ثقافة القدوة، لأن بناء الشخصية هي مسؤولية أبوية وفردية ولابد أن يكون هناك ربط بين القدوة وبين بناء الشخصية.
وتابع “لبناء شخصية المرأة والفتاة لابد أن يكون المدخل من الباب الصحيح، أي أن يكون باب النمذجة والنموذج الصالح من خلال المرأة، خصوصا وبعد تداخل الكثير من المفاهيم منها الدعوة الى المساواة والتحرر، حتى غاب عن ذهنها ان قدوتها ليس الرجل إنما المرأة الكاملة، ولذا لابد أن تعبُرَ من خلال شخصية السيدة زينب او السيدة الزهراء او شخصية آسيا بنت مزاحم او السيدة مريم، هذه الشخصيات لابد من تكوين النموذج من خلالها قبل أن تتخذ النمذجة او القدوة من المجتمع الرجل، معتبرا انه لابد للمرأة من معرفة وظائفها وحدود عملها وصلاحياتها من خلال ما قدمت هؤلاء النساء الصالحات من ادوار مختلفة ومتعددة عبر التاريخ.
واعتبر انه اذا لم تتخذ المرأة السيدة الزهراء “ع” او السيدة زينب نموذجا للاستقامة والحياء تقول انها لم تحقق ذاتها، والسبب أنه أرادت ان تكون متطبعة بشخصيات معاصرة مختلفة فواجهت صعوبة بالغة ان تفعل او تكون مثلهن، لانها اذا لم تتخذ النموذج الديني الصالح قدوة لها ستصل الى مكان تتعب به.
وبغض النظر عن النتاجات الإجتماعية والعلمية والفكرية التي تقدمها المرأة، شدد الشيخ حجازي على أن تحرر المرأة من القيود والذهاب الى اقصى حد في تحقيق الذات سيدمرها أولا قبل ان يدمر المجتمع.
لماذا السيدة زينب “ع”؟ وكيف نبني الذات الانسانية من خلالها؟
لقد كانت المرأة قبل هؤلاء النساء مهمشة في مجتمعها ومطرودة من بيئتها ومحرومة من حقوقها المادية والمعنوية، يقول الشيخ حجازي متابعا: ففي بدايات الاسلام وطرحه كان هناك تغييب لدور المرأة الحقيقي، حيث كانت في العصر الجاهلي مغمورة ويعبّر عنها على أنها عار، فجاء الاسلام واعطاها صورة جديدة ومختلفة تماما وساوى بينها وبين الرجل على مستوى العمل “إن أكرمكم عند الله أتقاكم” فظهرت المرأة عند ذلك بمواقفها، فخرج النبي “ص” ليقول: “ما قام دين وما استقام إلا بمال خديجة”.
وتابع “إن البيئة العلوية المهدوية انتجت هذه الشخصية، فهي وليدة الوحي والنبوة وشرفها وعظمة مولدها انها من صلب الإمام علي “ع”، فكانت عصمتها اكتسابية وتميزت بالاستقامة والشجاعة والبلاغة”، فعاشت في بيئة استثنائية ينطبق عليهم قول الله تعالى: “كنتم خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”، حتى صنعت منها شخصية جمعت بين الجانب الغيبي الديني أي المعرفي والعبادي والجانب الانساني كما كانت أمها السيدة الزهراء “ع”.
واعتبر سماحته أن الجزء من بناء الشخصية عند السيدة زينب هو بناء روحي وديني ويقيني، وليس هو مجرد بعض الافكار التي نحملها انما معتقد، فهي التي حملت أكثر من أربعين لقبٍ منها: “ام المصائب” و”العابدة” و”الحوراء” و”الوديعة”…
وأضاف “ما يفرق بين المنهج البشري والالهي هو التربية والعادات والتقاليد التي تصنع الانسان، اما ادوار السيدة زينب، فكان لها الدور التوعوي الذي ظهر بخطاباتها عندما وقفت في مجلس يزيد في الجامع الأموي بدمشق، وهذا هو المنبت الذي نحتاجه اليوم خصوصا بما نمر به من تحديات داخلية واقتصادية واجتماعية وأمنية وعسكرية وسياسية، إنما المطلوب الحفاظ على المبادئ التي اخذناها من هؤلاء الشخصيات الاسلامية العظيمة وعدم المسّ بها.
أما الدور التعبوي، يقول: لقد عبّأت السيدة زينب المناصرين ورفعت الروح المعنوية، حيث كانت بمثابة مرجع للنساء يأخذن منها الأحكام في الحلقات القرآنية التي كانت تقيمها آنذاك، اضافة الى دورها الرسالي فدعمت النساء على مساندة ازواجهن وعزمهم على النصرة خصوصا في معركة كربلاء، اضافة الى ذلك، كان لها الدور التضحوي حيث عاصرت كل المآسي منذ وفاة جدها “ص” إلى اخيها الحسين عليه السلام في كربلاء، وبعد أسرها وسبيها وهذا يتطلب تحملا كبيرا.
وختم سماحته بالقول: لولا تلك المواقف، لاستطاع بنو أمية قلع جذور الاسلام، فكانت سيدة المواقف واستطاعت ان تقلع رأس الضلال والطاغوتية وتغيير المسار التاريخي، وأثبتت للمرأة انها قادرة على صنع المعاجز في التربية، وان المرأة الصالحة هي أساس المجتمع، حتى بقيت عليها السلام حية بيننا الى يومنا هذا بعد 1400 عام ونيف.
النهاية






