نشر : April 26 ,2018 | Time : 17:18 | ID 113326 |

قراءة في الرفض العراقي للعدوان على سوريا

شفقنا العراق-لم تكن مجمل المواقف العراقية الرافضة للعدوان الثلاثي (الاميركي-البريطاني-الفرنسي) على سوريا، مفاجئة أو خارجة عن سياقات سياسة العراق الخارجية، وطبيعة مواقفه من القضايا العربية والاسلامية.

ولعل العنوان الأبرز والأوضح لتلك المواقف، هو الرفض القاطع والشديد لذلك العدوان، انطلاقاً من حقائق ومعطيات واستدلالات منطقية، لا يمكن الجدل والنقاش فيها طويلاً. والأمر المهم في المواقف العراقية الرافضة، هو أنها غطت مساحة واسعة من الفضاء السياسي، الرسمي وغير الرسمي، وكذلك الفضاء الشعبي، بعناوينه وأشكاله ومسمياته المتنوعة، الى جانب التعاطي الاعلامي الواسع، الذي عبر بوضوح عن مظاهر الرفض والادانة والاستنكار.

واذا أردنا أن نتوقف عند الحقائق والمعطيات والاستدلالات المنطقية لمظاهر الرفض العراقي، فإننا سنؤشر الى ما يلي:

أولا: اإن اللجوء الى خيار القوة العسكرية يمثل أسوأ الحلول وأخطر الخيارات، والتجارب لاثبات ذلك الأمر كثيرة، فالمنطقة العربية، ومنها العراق، شهدت على مدى عقود عديدة حروبا وصراعات ونزاعات عسكرية، لم تسفر عن شيء، الا كوارث ومآسي، وخسائر هائلة بالأرواح والموارد والامكانيات، واذا كانت الولايات المتحدة الاميركية ومعها حلفائها الاقليميين والدوليين، قد فشلوا على امتداد أكثر من ستة اأعوام في الاطاحة بنظام الرئيس السوري بشار الاسد، فمن غير المعقول أن ينجحوا في اسقاطه بضربات صاروخية، في ظل توازنات قوى دقيقة وحساسة، وواقع الأمر على الارض لا يسمح بالذهاب بعيداً في استخدام القوة العسكرية.

وفي بيان لها عبرت وزارة الخارجية العراقية عن قلقها من الضربة الجوية، واعتبرت “ان ذلك التصرف أمراً خطيراً جداً لما له من تداعيات على المواطنين الأبرياء، من شأنه أن يجر المنطقة إلى تداعيات خطيرة تهدد أمنها واستقرارها وتمنح الاٍرهاب فرصة جديدة للتمدد بعد أن تم دحره في العراق وتراجع كثيراً في سوريا”.

ثانيا: ان مثل ذلك العدوان، في الوقت الذي يمكن أن يربك ويضعف النظام السوري ومؤسساته الامنية والعسكرية والسياسية، فإنه من الطبيعي أن يستتبع تقوية تنظيم “داعش” الارهابي، ومساعدته في استعادة ولو جزء من زمام المبادرة التي فقدها الى حد كبير في سوريا والعراق، ولاشك أن عودة الروح لذلك التنظيم في سوريا، يعني امكانية ظهوره مرة أخرى في العراق، الأمر الذي يستدعي موقف عراقيا حازما وقاطعا بالرفض.

وما يعزز ويعضد الموقف العراقي الرافض، هو تلك المؤشرات والأرقام التي تؤكد أن عناصر من تنظيم “داعش” الارهابي تتواجد في صحراء الانبار، بالقرب من الحدود العراقية-السورية، وتحت حماية اميركية، وهي تسعى الى تنظيم صفوفها من جديد لمعاودة نشاطها وتحركها.

وتمتلك الأجهزة الأمنية العراقية معلومات خطيرة ومقلقة حول هذا الأمر، لذلك وجهت القيادة العامة للقوات المسلحة العراقية لسلاح الجو العراقي قبل بضعة أيام، أوامر بقصف مواقع تنظيم “داعش” في مناطق سورية قرب الحدود مع العراق.

الى جانب ذلك، فإن المزاعم والادعاءات الاميركية حول السعي الى القضاء على تنظيم “داعش” الارهابي، لا تصمد كثيراً على أرض الواقع، لأن مجريات الأمور تخالف تلك المزاعم والادعاءات، فمن يريد القضاء على الارهاب الداعشي، عليه أن لا يضعف ولا يستهدف القوى والأطراف المحاربة له، وعليه أن لا يوفر ملاذات آمنة له حينما يتعرض الى ضربات قاصمة وهزائم منكرة.

ثالثا: بينما تمثلت المبررات والدوافع المعلنة للعدوان العسكري الأخير على سوريا، بمزاعم استخدام النظام السوري الأسلحة الكيمياوية ضد المدنيين من أبناء شعبه، فإن هناك قضيتين، الأولى، هي أن مثل تلك الادعاءات غير مؤكدة، ولم تبت بها وتؤكدها جهة دولية متخصصة ومحايدة، علما أن لجاناً من الأمم المتحدة قد كلفت بمتابعة هذا الملف، وشرعت بعملها، الا أنها لم تكن قد انتهت من مهمتها حين شنت واشنطن ولندن وباريس العدوان على سوريا.

وفي هذا السياق، فإن أوساطاً سياسية عديدة، كشفت عن حقائق مفادها أن قصة الأسلحة الكيمياوية، هي عبارة عن سيناريو مفبرك تقف وراءه أجهزة استخباراتية بريطانية، يأتي ضمن المحاولات والمساعي الغربية المحمومة لمحاصرة وأضعاف الرئيس السوري بشار الأسد على امل الاطاحة به.

والقضية الثانية، بما أن هناك أطرافا عدة معنية أو متورطة بالصراع القائم في سوريا منذ بضعة أعوام، فإن توجيه الاتهام لطرف واحد بإستخدام الأسلحة الكيمياوية، دون الأطراف الأخرى، أمر بعيد عن المنطق، وتقف خلفته أجندات سياسية معينة، لا سيما وأن أي طرف من أطراف الصراع قادر على امتلاك الاسلحة الكيمياوية واستخدامها، ومن ثم انكار ذلك.

رابعاً: لا شك أن نظرة أوسع وأشمل، تكشف أن العدوان العسكري الاميركي-البريطاني-الفرنسي، يأتي في سياق محاولات ومخططات اأضعاف ومحاصرة جبهة المقاومة التي تمثلها كل من ايران وسوريا والعراق وحزب الله اللبناني، وحركة انصار الله اليمنية، وحركات المقاومة الفلسطينية، مدعومة من روسيا بالدرجة الأساس، ومن الخطأ افتراض أن سوريا هي وحدها المستهدفة، وفي ذلك يشير وزير الداخلية العراقي الاسبق والقيادي في المجلس الاعلى الاسلامي العراقي باقر ججبر الزبيدي بالقول “إن ضربة أمريكية قادمة على سوريا ستهيئ الأرضية لعمليات واسعة تستهدف القواعد الأمريكية وفريق المستشارين الامريكيين والسفارات والقنصليات الامريكية في العالم، وأنه على المستوى السوري، لم تعد الساحة السورية سورية، بل هي ساحة روسية ايرانية لبنانية ومجموعات المقاومة الاسلامية، وقد تحولت الساحة السورية بفعل وجود هذه القوى والتحالفات خزانا من الاسلحة والمقاتلين، وفيها وجود هائل لصواريخ بعيدة المدى قادرة على الوصول الى اماكن وجود حاملات الطائرات والبارجات الامريكية الراسية في المتوسط اضافة إلى اهداف نوعية منتخبة في فلسطين المحتلة.         

من الطبيعي أن اضعاف جبهة المقاومة، يفضي الى تقوية الكيان الصهيوني، وتوفير الارضيات والمناخات الملائمة لتوسيع نطاق تحرك وفاعلية الجماعات الارهابية بكل مسمياتها، وكذلك تهيئة الظروف لتمرير مشاريع تقسيم دول المنطقة وشرذمتها على اسس طائفية وقومية ومذهبية، وتغذية الصراعات والحروب الدموية بين مكوناتها، وكل ذلك، يعد العراق ومعه سوريا في مقدمة المستهدفين به.

المصدر: العهد

www.iraq.shafaqna.com/ انتها